لقاء مع الماضي – محمد نور
ذهبتُ إلى المستشفى… وكان الطبيب المكلف بفحصي هو خطيبي السابق!
هناك أشخاص من الماضي يفترض أن يتحلوا بذرة من المروءة ويتصرفوا كأنهم ماتوا وشُبعوا موتاً.
لا رسائل.
لا ظهور مفاجئ.
وبالأخص، ألا تجده واقفاً أمامك بجهار الفحص بالأمواج الصوتية وهو يأمرك ببرود أن ترفعي عباءتك!
لكن في صباح ذلك الثلاثاء، أدركتُ أن الحياة تقرر أحياناً أن تعاندني لأقصى حد.
— “رقم 58… مريم العبد الله؟”
رفعتُ الستار الفاصل في غرفة الفحص وأنا أضغط بأصابع جافة على نتائج التحاليل.
— “نعم، أنا…”
ولم أستطع إكمال الجملة.
رفع الطبيب الجالس أمام الشاشة بصرَه نحوِي.
رداء أبيض ناصع، شعر أسود ملبد، وملامح حادة كالسيف… وتلك العينان السوداوان اللتان لو رأيتهما بعد دهر لعرفتهما على الفور.
شعرتُ بدماء جسدي تتجمد في عروقي.
طارق الهاشمي.
حبيبي السابق.
الرجل الذي لم ألمحه منذ أربع سنوات كاملة.
الرجل نفسه الذي أحببته يوماً لدرجة أنني، بعد فراقنا، ظللتُ لأشهر عاجزة عن سماع اسمه دون أن أشعر بغصة تخنق صدري.
نظر إليّ طارق لثانية واحدة لا غير.
ثم أطرق بنظره نحو ملفي الطبي وكأنني مجرد غريبة لم يرها في حياته.
— “استلقي على السرير.”
رمشتُ بذهول.
— “ماذا؟”
— “استلقي، ارفعي طرف الثوب قليلاً، وميلي بدرجة بسيطة نحو اليسار.”
كان نبرة صوته مهنية للغاية.
باردة.
آلية.
وكأن هذا الرجل لم يسهر يوماً يجاورني، وكأن لسانه لم ينطق يوماً بأنه يريد أن يقضي بقية عمره بجانبي.
بقيتُ مكانتتي لا أتحرك.
رفع طارق عينيه نحوي.
— “يا مريم، لا تكثري الحركة. أحتاج لإجراء الفحص.”
نظرت الممرضة الواقفة بجوار حاسوبه إليه أولاً، ثم التفتت إليّ.
كنتُ أتمنى لو تبتلعني الأرض في تلك اللحظة.
أتيتُ إلى المستشفى بسبب آلام حادة في البطن تنتابني منذ أيام، وليدة الإرهاق والضغط العصبي من عملي مع مدير يرى أن العطلات الأسبوعية قلة أمانة.
كنتُ أتوقع بعض الفحوصات، وصفة طبية، وربما نصيحة بالراحة.
لم أكن أتوقع أبداً أن أصطدم بـ “طارق”.
ولا أن أجد نفسي مضطرة للكشف أمامه!
— “هل… هل هناك طبيب آخر متفرغ؟” سألتُ بصوت خافت.
قست عينا طارق وازدادتا بروداً.
— “هناك أكثر من ثلاثين مريضاً ينتظرون في الخارج.”
أشار نحو السرير الطبي.
— “ليس هناك ما تدعو للحرج منه. بالنسبة لنا كأطباء، المريض لا جنس له.”