لقاء مع الماضي – محمد نور
أُذن لي بالخروج في تلك الليلة، فقال طارق:
— “سأوصلكِ إلى البيت.”
— “أستطيع طلب سيارة.”
— “مريم…”
— “لا تنظر إليّ بهذه النظرة!”
— “أي نظرة؟”
— “نظرة ‘أنا طبيب وأعرف أكثر منكِ’.”
— “لكنني طبيب وأعرف أكثر منكِ بالفعل!”
— “أنا أكرهك.”
— “لا… أنتِ لا تكرهينني.”
ساد الصمت بيننا، وكانت تلك الكلمة تطوف حولنا… لا، أنا لا أكرهه، وهذه كانت المشكلة دائماً.
أوصلني طارق إلى بنايتي، ووقف عند الباب:
— “ارتاحي جيداً.”
هززتُ رأسي:
— “شكراً لك… ليلة سعيدة.”
بدأ بالابتعاد، وفهمتُ حينها شيئاً مهماً… لو أغلقتُ هذا الباب الآن، فسنعود إلى الدوامة نفسها: الانتظار، والتكهنات، وترك الكبرياء يتحكم بنا.
— “طارق.”
التفت إليّ:
— “نعم؟”
— “هل ما زلتَ تحبني؟”
ساد صمت قطعه صوت خطاه وهو يعود ونحوي ببطء:
— “لا تسأليني هذا السؤال إن لم تكوني مستعدة لسماع الإجابة.”
— “أسألك لأنني أريد سماعها.”
توقف أمامي على بعد خطوة واحدة وقال دون تردد:
— “نعم… لم أتوقف يوماً عن حبكِ.”
استعر الخجل في عيني:
— “هذا أمر غير مريح أبداً…”
ابتسم ابتسامة خفيفة:
— “جداً…”
— “لأنني ما زلتُ غاضبة منك.”
— “أعلم.”
— “ولا أثق بكَ بشكل كامل بعد.”
— “أفهم ذلك.”
— “وأربع سنوات لا تمحى لمجرد أنك سلمتني رسالة قديمة.”
— “لم أكن أتوقع ذلك اصلاً.”
اهتزت نبرتي وأنا أضيف:
— “وأنا أيضاً… لم أتوقف عن حبكِ كما تصنعتُ ذلك.”
توقف طارق عن التنفس:
— “مريم…”
— “هذا لا يعني أننا سنعود فوراً.”
— “أعلم.”
— “يعني أننا نستطيع الحديث.”
— “أقبل بذلك.”
— “وربما نشرب القهوة معاً.”
— “وموافق على هذا أيضاً.”
— “وأن تتوقف عن الظهور في مكتبي محاملاً بالطعام!”
رفع حاجبيه وقال:
— “هذا ما لا أستطيع وعدكِ به!”
ضحكتُ… وكانت هذه أول مرة نضحك فيها معاً منذ أربع سنوات. وشعرتُ بشيء كان متجمداً في داخلي يبدأ بالذوبان ببطء.
الأشهر التالية لم تكن كنهاية الأفلام الرومانسية، فلم نعد لبعضنا فوراً… بل تحدثنا كثيراً، واختلفنا أكثر من مرة. كان على طارق أن يتعلم كيف يصارحني بخوفه بدلاً من أن يقرر ما هو “الأفضل لي”، وكان عليّ أن أتعلم أن الصمت لا يعني دائماً التخلي.
خرجنا للعشاء، وتجولنا في المدينة، وزرنا والدي ووالدته مجدداً… وعندما رأتني والدته، احتضنتني وبكت قائلة: