لقاء مع الماضي – محمد نور

الشبان الذين كانوا يحاولون التودد إليّ كانوا يبعثون في نفسي الملل.

لذا، وبكل بساطة، قررتُ أنني أريد الرجل الوحيد الذي لم يلقِ عليّ بصلة!

وقبل أن ينتهي النشاط، “وسكبتُ بالخطأ” العصير على ثوبه الأبيض الناصع.

نظر طارق إلى البقعة الكبيرة على ثوبه، ثم رفع عينيه ونظر إليّ.

لم ينطق بكلمة لثوانٍ طوال.

أما أنا، فابتسمتُ ببراءة مصنّعة:

— “أنا آسفة جداً! دعني آخذه لأغسله لك.”

أنا شبه متأكدة أنه عرف منذ تلك اللحظة أنني فعلتُ ذلك عمداً.

ورغم ذلك… خرجتُ من ذلك اليوم برقم هاتفه.

وما زلتُ أذكر ذلك المساء عندما نزل من سكن الطلاب ليسلمني الثوب بعد تنظيفه.

كان يرتدي قميصاً بسيطاً، وعندما شعر بالارتباك أمام كلامي، احمرّت أذناه تماماً.

كان يبدو كالشاب الصالح الذي جرفته فتاة مشاكِسة إلى المتاهات.

وفكرتُ حينها: “هذا الرجل وقع ولن ينجو.”

ولم أكن أعلم أنني أنا من ستقع وتغرق.

— “انتهينا.”

أعادني صوت طارق الجاف إلى الواقع.

سحب منديلًا ووضعه بقربي.

— “يمكنك المسح الآن.”

كان تصرفه عادياً وجافاً لدرجة أثارت غضبي.

أربع سنوات من الجفاء والغياب، ثم ينتهي الأمر بكلمة: “انتهينا”؟!

كم هذا مناسب!

مسحتُ بقايا الهلام، وعدّلت ثوبي، وجمعت أوراقي.

— “شكراً لك يا دكتور.”

لم أنتظر منه رداً، وخرجتُ من الغرفة وأنا أسرع خطاي وكأنني أهرب.

وما إن قطعتُ بضعة أمتار في الممر حتى سمعتُ خطوات تركض خلفي:

— “يا آنسة مريم!”

كانت الممرضة نفسها، الشابة ذات الحجاب المرتب التي كانت تدون البيانات.

مدت يدها بورقة:

— “نسيتِ تقريركِ الطبي.”

— “شكراً جزيلاً.”

وعندما هممتُ بالالتفاف للرحيل، خفضت صوتها وقالت:

— “هل لي أن أسألكِ سؤالاً؟”

استشعرتُ خطراً وسألتها بالحذر:

— “يعتمد على السؤال.”

ابتسمت الممرضة بحماس لم تستطع كتمانه:

— “هل تعرفين الدكتور طارق من قبل؟”

ضربت دقات قلبي بقوة.

— “ليس تماماً.”

رفعت الممرضة حاجبها:

— “أنا أعمل معه منذ شهر كامل… ولم أره يوماً يتصرف بهذه الطريقة.”

— “أي طريقة؟”

اقتربت الممرضة أكثر ووهي تهمس:

— “كان متوتراً.”

أطلقتُ ضحكة ساخرة:

— “أنتِ وهمانة.”

— “حتى أن أذنيه احمرّتا تماماً!”

— “ربما كان الجو حاراً في الغرفة.”

— “المكيف يعمل على درجة ثمانية عشر!”

لم أجد ما أرد به، فازدادت ابتسامة الممرضة اتساعاً:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *