لقاء مع الماضي – محمد نور
— “ما هذا؟”
— “شيء كان يفترض أن يصلكِ قبل أربع سنوات.”
تسارعت دقات قلبي:
— “لم أفهم.”
— “كتبتُ هذه الرسالة بعد أسبوعين من فسخ الخطبة.”
لم ألمس الظرف وسألته:
— “ولماذا كتبتَها؟”
نزل طارق بنظره نحو يديه وقال:
— “لأنني كنتُ أحاول إقناع نفسي بأنني اتخذتُ القرار الصحيح.”
— “بتركي؟”
عاد الاستياء ليتملكني فقمتُ قائلة:
— “إذن وفر على نفسك الشرح.”
أمسك طارق بمعصمي، ليس بقوة، بل بدرجة تكفي لإيقافي فقط:
— “والدي كان يحتضر.”
تسمرتُ في مكاني. أصوات الصحون والحديث والموسيقى في المطعم اختفت كلها من أذني:
— “ماذا؟”
ترك طارق معصمي وقال:
— “شُخّص بمرض خبيث في مرحلة متقدمة قبل فسخ خطبتنا بثلاثة أشهر.”
جلستُ ببطء:
— “أنت لم تقل لي ذلك أبداً…”
— “أعلم.”
— “طارق…”
— “كنتِ في سنتكِ الأخيرة، وكانت لديكِ فرصة سفر وتدريب مهمة جداً في الخارج… كان أمامكِ مستقبل كامل ينتظركِ.”
— “وما علاقة هذا بذاك؟!”
— “والدي كان يحتاج رعاية كاملة، ووالدتي كانت منهارة، وأنا كنتُ في بداية فترة الامتياز ولا أستطيع التقاط أنفاسي…” اهتزت نبرته الرزينة وهو يتابع: “وأنتِ كنتِ مستعدة لإلغاء كل أحلامكِ والسفر من أجلي.”
تذكرتُ تلك الأيام… العرض الذي وصلني للتدريب في شركة عالمية، وكيف كنتُ مترددة، وكيف كان طارق يصر عليّ بضرورة قبوله… وبعدها بأسبوعين فسخ خطبتنا!
— “ظننتُ أنك لم تعد تحبني فحسب…”
أغمض عينيه وقال:
— “لو كان الأمر كذلك لكان أسهل بكثير.”
— “ولماذا لم تخبرني بالحقيقة؟!”
— “لأنني أعرفكِ جيدا.”
— “وماذا يعني ذلك؟”
— “يعني أنكِ كنتِ ستتخلين عن كل شيء وتبقين بجانبي.”
صمتُّ… لأن كلامه كان صحيحاً. طارق في ذلك الوقت كان كل عالمي، ولو قال لي إن والده يحتضر لإلغيتُ سفري دون تردد.
— “لم يكن لك الحق في اتخاذ القرار نيابة عني!”
— “أعلم.”
— “لا، أنت لا تعلم! لقد جعلتني أؤمن بأني لم أكن كافية لك!”
شحب وجه طارق، فتابعتُ والدموع تحرق عيني:
— “هل تعرف كم قضيتُ من الوقت وأنا أسأل نفسي ما الذي أخطأتُ فيه؟!”
— “كل يوم…” قالها وهو ينظر في عيني.
— “ماذا؟”
— “كل يوم كنتُ أفكر فيما فعلتُه بكِ…” أزاح الظرف نحوي وأضاف: “توفي والدي بعد خمسة أشهر.”
بلعتُ ريقي بصعوبة:
— “عظم الله أجرك…”
— “قبل أن يموت سألني عنكِ… وقال لي إنني أحمق.”