لقاء مع الماضي – محمد نور
خرجت مني ضحكة مكسورة:
— “كان والداً رحيماً وطيباً…”
— “وكان يحبكِ جداً.”
— “وبعد وفاته… لماذا لم تعد؟”
كان هذا هو السؤال الحقيقي والجوهر. صمت طارق طويلاً ثم قال:
— “لأنني عندما جمعتُ شتات نفسي وأردتُ البحث عنكِ…”
— “ماذا؟”
— “سافرتُ إليكِ.”
اتسعت عيناي:
— “أنت لم تزرني أبداً!”
— “لم أتمكن من الحديث معكِ… رأيتكِ خارجة من مقر عملكِ مع رجل آخر.”
وفهمتُ فوراً:
— “أستاذي في الشركة؟”
— “لم أكن أعرف من يكون… رأيته يعانقكِ.”
— “لأنه كان يبارك لي على توقيع أول عقد عمل رسمي!”
— “أعرف ذلك الآن…” أَمَرّ يده على شعره وقال: “ظننتُ أنكِ تجاوزتِ الماضي ومضيتِ في حياتكِ… كنتُ محطماً يا مريم، دفنتُ والدي قبل يومين فقط، وقطعتُ المسافة طوال الليل، وعندما رأيتكِ تبتسمين مع رجل آخر… لم أملك الشجاعة للاقتراب.”
بدأ الغضب يختلط في داخلي بمشاعر أخرى أكثر تعقيداً:
— “أنا أرسلتُ لك رسالة!”
— “أي رسالة؟”
— “بعد ثلاثة أسابيع من فسخ الخطبة.”
تغيرت ملامحه، فتابعت:
— “سألتك فيها إن كنت متأكداً من قرارك.”
— “مريم… هاتفي تحطم في إحدى النوبات الطارئة في المستشفى وغيّرت رقمي ومُحيت كل البيانات، لم تصلني أي رسالة!”
وضعتُ يدي على رأسي… كان الأمر غير معقول، ومؤلماً ومأساوياً في الوقت نفسه. شخصان يحبان بعضهما، يقودهما الكبرياء وسوء الفهم وقلة الخبرة لاتخاذ قرارات مدمرة.
— “أربع سنوات…” همستُ بها.
— “أعلم.”
— “خسرنا أربع سنوات بسب هذا!”
نظر إليّ طارق وقال:
— “أنا من خسر أربع سنوات.”
— “وأنا ألم أخسر؟”
— ” أنتِ على الأقل واصلتِ حياتكِ واستمررتِ في العيش.”
— “وأنت؟”
ظهرت ابتسامة ساخرة على وجهه:
— “أعمل في المستشفى… أعيش بجسدي فقط. لم أدخل في أي علاقة أخرى بعدكِ.”
اضطرب قلبي:
— “طارق…”
— “لا أقول هذا لأضغط عليكِ،” دفع بالرسالة أكثر نحوي: “أردتكِ فقط أن تعرفي أنني لم أبتعد عنكِ لأنني توقفتُ عن حبكِ.”
عجزتُ عن الرد… أخذتُ الظرف وغادرت.
لم أفتح الرسالة في تلك الليلة، بل تركتها على الطاولة وأنا أتأملها وأنا أتعشى، وأنا أستحم، وأنا أحاول النوم… وفي الثانية عشرة ليلاً، استسلمتُ وفتحتها.
كانت الرسالة قصيرة:
> “مريم…
> لا أعلم إن كانت هذه الرسالة ستصلكِ يوماً ما.
> أعلم أنكِ تكرهينني الآن، وأتمنى أن تستمري في ذلك، فلعل الكره يجعلكِ تنسينني أسرع.