لقاء مع الماضي – محمد نور
— “أن تتناولي غداءكِ.”
كدتُ أصرخ فيه:
— ” كف عن الحديث عن هذا الطعام اللعين!”
ولأول مرة، انهارت ملامحه الثابتة وقال بنبرة مكسورة:
— “لأنه الشيء الوحيد الذي أستطيع فعله الآن دون أن تطرديني من حياتكِ مجدداً!”
تجمّدت في مكاني:
— “مجدداً؟!”
أخذ طارق نفساً عميقاً وقال:
— “انسَي الأمر.”
— “لا، بل قل! أنتَ قلت ‘مجدداً’!”
أشاح بنظره بعيداً… وفي تلك اللحظة بالذات، فهمتُ شيئاً غائباً عني.
طارق الهاشمي كان خائفاً!
أنا رأيتُ هذا الرجل يتصلب أمام حالات الطوارئ الصعبة، ورأيته يعمل ثلاثين ساعة متواصلة، ورأيته يتلقى الأخبار السيئة دون أن ترمش له عين… لكنه الآن كان خائفاً مني!
— “قل لي الحقيقة،” همستُ بها.
— “ليس هنا.”
— “إذن أين؟”
تأملني طارق وقال:
— “تناولي العشاء معي الليلة.”
— “لا.”
— “مريم…”
— “لن أخرج معك في موعد.”
— “ليس موعداً.”
— “ممتاز، إذن سيكون رفضه أسهل بكثير.”
ولأول مرة، ظهرت شبه ابتسامة على شفتيه لم تدم أكثر من ثانية:
— “ما زلتِ عنيدة ومستحيلة.”
— “وأنت ما زلتَ مستفزاً.”
— “في السابعة مساءً.”
— “قلتُ لك لا.”
— “في مطعم الياسمين.”
— “طارق!”
— “سأنتظركِ ثلاثين دقيقة.”
— “يمكنك الانتظار طوال الليل!”
مد إليّ كيس الطعام وقال:
— “تناولي الغداء أولاً.” ثم التفت وغادر.
ظهرت زميلتي سارة من خلف الباب بعد ثوانٍ قليلة:
— “لم أكن أسترق السمع أبداً!”
نظرتُ إليها بنصف عين:
— “بل سمعتِ كل كلمة.”
— “كل كلمة بالتفصيل!” أخذت الكيس من يدي وأضافت: “وعلى فكرة، هذا الرجل يحبكِ لدرجة مرضية ومقلقة جداً!”
— “إنه خطيبي السابق.”
— “هذا يفسر كل هذا العذاب والدراما!”
— “لكنه هو من تركني.”
نظرت سارة نحو الباب الذي خرج منه طارق وقالت:
— “إذن هناك شخص ما يكذب أو يداري شيئاً.”
في السابعة والدقيقة الثانية عشرة، كنتُ أقف أمام مطعم الياسمين. كنتُ غاضبة من نفسي لأنني جئت… دخلتُ، ووجدته يجلس عند الطاولة نفسها في الزاوية، الطاولة التي كنا نعتاد الجلوس عليها أيام الجامعة.
قام فور رؤيتي:
— “ظننتُ أنكِ لن تأتي.”
— “وأنا ظننتُ ذلك أيضاً،” جلستُ وأضفت: “لديك ثماني عشرة دقيقة.”
— “قلتُ ثلاثين.”
— “ضاعت منك اثنتا عشرة دقيقة وأنت تنتظر.”
ابتسم طارق مجدداً:
— “حسناً.”
ساد الصمت بيننا للحظات، ثم مد يده إلى جيب معطفه وأخرج ظرفاً قديماً ومجعداً وضع عليه اسمي بخطه: