لقاء مع الماضي – محمد نور

> والدي مريض جداً… لم أخبركِ لأنني أعرفكِ جيداً، ستعودين وتلغين سفركِ وتبقى بجانبي.

> وهناك جزء أناني في داخلي يتمنى ذلك أكثر من أي شيء، لكنني أعرف أنكِ لو بقيتِ، فستنظرين يوماً ما إلى الخلف وتتساءلين عما كان يمكن أن تكون عليه حياتكِ.

> أفضل أن تكرهينني على أن أكون السبب في تدمير أحلامكِ.

> أعلم أنني أقرر نيابة عنكِ، وأعلم أنه ظلم كبير… كما أعلم أنني أرتكب أكبر خطأ في حياتي.

> أحبكِ… ولا أستطيع كتابتها بصيغة الماضي لأنها ستكون كذبة.

> أحبكِ الآن… وغداً أيضاً.

> طارق.”

>

بكيتُ حتى نامت عيناي.

خلال الأسبوع التالي لم أرَ طارق، وكان يفترض أن يريحني ذلك، لكنه لم يفعل… وجدتُ نفسي أرقب هاتفي منتظرة رسالة منه.

وفي يوم الجمعة، عاودتني آلام البطن بشدة، لدرجة أنني انحنيتُ على مكتبي عاجزة عن الحركة. ولم تنتظر زميلتي سارة بل اتصلت بالإسعاف فوراً.

عندما فتحتُ عيني في الطوارئ، كان أول وجه رأيته هو طارق… كان وجهه شاحباً كالموت:

— “مريم! ماذا حدث؟”

— “أصابتني نوبة ألم وفقدتُ وعيي قليلاً… أنا بخير.”

— “لا، لستِ بخير!”

كان في صوته خوف خالص… حاولتُ الجلوس فوضع يده على كتفي:

— “لا تتحركي.”

— “عدنا للأوامر مجدداً؟”

— “نعم.”

ولأول مرة لم أجادله:

— “هل الأمر خطير؟”

— “ننتظر بقية النتائج.”

— “تبدو قلقاً جداً.”

— “أنا طبيبكِ.”

— “هذه الإجابة لم تعد تنفع معي يا طارق.”

نظر إليّ طارق… وهنا سقط القناع الطبي البارد، وقال بصوت خافت:

— “لقد أخفتِني عليكِ جداً…”

ثلاث كلمات فقط… لكنها جعلت صدري ينقبض. أمسكتُ بيده فنظر إلى أيدينا المترابطة:

— “طارق…”

— “نعم؟”

— “أنا لن أختفي.”

شدّ على يدي وقال:

— “لا يمكن لكِ وعدي بذلك.”

— “إذن اعدني أنت بشيء.”

— “ما هو؟”

— “ألا تتخذ قرارات نيابة عني مجدداً.”

التقيت عينانا فقال:

— “لن أفعل أبداً.”

— “حتى لو ظننتَ أنك تحميني.”

— “أبداً.”

— “وحتى لو كنتَ خائفاً.”

— “أبداً.”

ابتسمتُ بضعف:

— “جيد…”

رفع طارق يدي ووضعها على جبهته وهو يتنفس بعمق لثوانٍ.

دخل طبيب آخر بعد قليل، واستبعدت الفحوصات الجديدة أي طارئ جراحي. كان الألم نتيجة التهاب حاد في المعدة مع إرهاق وتغذية سيئة وتوتر شديد.

لم يقل لي طارق “ألم أقل لكِ؟”، لكن نظراته كانت تقولها مئة مرة!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *