لقاء مع الماضي – محمد نور

توقفتُ عن الكتابة. لا… هذا مستحيل!

مشيتُ نحو الاستقبال، وكان طارق هناك. لم يكن يرتدي معطفه الأبيض، بل بنطالاً داكناً وقميصاً كحلياً شمر أكمامه حتى الساعدين. وكرهتُ نفسي لأنني تذكرتُ فوراً كم كنتُ أحب هيئة يديه.

— “ماذا تفعل هنا؟”

رفع طارق كيس أوراق في يده:

— “غداء.”

نظرتُ إليه بذهول وكأنه يحمل قنبلة:

— “عفواً؟”

— “الساعة الان الثانية والنصف.”

— “أعرف كيف أقرأ الساعة.”

— “ولم تتناولي غداءكِ.”

— “وكيف عرفتَ ذلك؟”

أشار طارق إلى مكتبي من بعيد، حيث كوب قهوة كبير وغلافان فارغان من البسكويت:

— “لأنكِ ما زلتِ تفعلين الشيء نفسه كما في أيام الجامعة عندما تقعين تحت الضغط.”

انقبض حقيقي في حلقي:

— “لا يمكنك المجيء إلى هنا.”

— “نتائج فحوصاتكِ الإضافية وصلت هذا الصباح.”

— “وهل تتطلب نتائج الفحوصات خدمة توصيل طعام؟”

— “لا.”

— “إذن تفضل بالرحيل.”

ضغط طارق على كيس الطعام وقال بصوت خافت:

— “مريم…”

— “لا!” خفضتُ صوتي وأردفت: “لا يمكنك الاختفاء لأربع سنوات ثم الظهور فجأة والتظاهر بأنك ما زلت تملك الحق في القلق عليّ وعلى طعامي!”

انقبض فكه وقال:

— “أنا لم أتوقف يوماً عن القلق عليكِ.”

جاءت كلماته كالصفعة، لدرجة أنني نسيت التنفس لثوانٍ.

— “لا تفعل هذا…”

— “ماذا؟”

— “لا تقل أشياء كهذه!” اهتز صوتي وأنا أضيف: “أنت من فسخ الخطبة وتركني!”

شحب وجه طارق:

— “الأمر لم يكن هكذا بالضبط…”

طلقتُ ضحكة مريرة:

— “حقاً؟ ذاكرتي تعمل بكفاءة عالية جداً!”

قبل أربع سنوات… في مقهى قريب من المستشفى الجامعي، كان طارق يجلس أمامي، وأنا أبكي، وهو ينطق بتلك الجملة التي ما زلتُ أحفظها حرفياً: “مريم، هذا الأمر لن ينجح بيننا.” ثم قام ومشى، ولم يعد… ولم يتصل، حتى عندما فقدتُ كبريائي بعد ثلاثة أسابيع وأرسلتُ له رسالة أسأله إن كان متأكداً، فلم يجيب!

— “قلتَ إن الأمر لن ينجح،” ذكّرته.

— “أعلم.”

— “وتركني.”

— “أعلم.”

— “إذن لا تأتِ إلى هنا وتتظاهر بأنك الطرف المتألم!”

خطا طارق خطوة نحوي:

— “وهل تظنين أنني لم أتألم؟”

ساد الصمت المكان، وكان بعض الموظفين يتظاهرون بالعمل وهم يسترقون السمع. أخذتُ بيده وقلت:

— “تعال معي.”

سحبته إلى بيت الدرج التابع للطوارئ، وما إن أُغلق الباب حتى التفتُ إليه:

— “ماذا تريد بالضبط؟”

نظرت إليّ لثوانٍ ثم قال:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *