لقاء مع الماضي – محمد نور
— “كان عمك رحمه الله محقاً… ابننا هذا أحمق!”
أغمض طارق عينيه:
— “يا أمي…”
— “أربع سنوات يا طارق! أربع سنوات!”
ضحكتُ من قلبي، وفهمتُ حينها درساً مهماً: إعادة بناء العلاقة لا تعني العودة إلى النقطة التي انكسرت عندها، بل تعني بناء علاقة جديدة تماماً على أنقاض القديمة.
بعد ستة أشهر، ذهبتُ إلى المستشفى بكامل إرادتي. كان طارق ينهي مناوبته عندما دخلتُ مكتبه ووضعتُ كيساً على طاولته:
— “غداء.”
نظر طارق إلى الكيس ثم إليّ:
— “الساعة الثامنة مساءً.”
— “أعرف كيف أقرأ الساعة.”
— “تناولتُ عشائي بالفعل.”
— “كذب!”
أشرتُ إلى طاولته: كوب قهوة وغلاف بسكويت فارغ:
— “كيف أعرف؟ لأنني أتعلم من الأفضل!”
اقتربتُ منه وقلت:
— “ثم إنني جئتُ لأسألك سؤالاً طبياً.”
اعتدل في جلسته بجدية:
— “ما الأمر؟”
— “لديّ عرض غريب مؤخراً… عندما أقترب من طبيب معين، تتسارع دقات قلبي كثيراً.”
شبّك طارق يديه وقال:
— “هذا قد يكون خطيراً.”
— “وأشعر بحرارة أيضاً.”
— “أمر مقلق…”
— “وأحياناً أرغب في احتضانه.”
خطا طارق خطوة نحوي وقال:
— “أنتِ حتماً بحاجة إلى علاج مكثف!”
— “وبماذا تنصح يا دكتور؟”
أمسك بيدي وهَمَس:
— “علاج يستمر مدى الحياة.”
— “هذا لا يبدو كلاماً مهنياً.”
— “معكِ أنتِ بالذات فقدتُ مهنيتي منذ زمن طويل.”
ابتسمتُ، واحتضنني بدفء… لم نكن شخصين يحاولان استعادة الماضي، بل بالغين قررا أخيراً التوقف عن الهرب من المستقبل.
وعندما ابتعدنا، كانت أطراف أذنيه محمرة تماماً، فنظرتُ إليه وقلت:
— “يا دكتور طارق…”
— “نعم؟”
— “ألم تقل إن المرضى لا جنس لهم؟”
أغمض عينيه وقال:
— “لن تدعيني أنسى تلك الجملة أبداً، أليس كذلك؟”
— “أبداً!”
— “كانت جملة رسمية لتغطية ارتباكي.”
— “لكن أذنيك احمرّتا!”
— “كان الجو حاراً!”
نظرتُ إلى المكيف وقلت:
— “الدرجة ثمانية عشر!”
فضحك من قلبه.
في تلك اللحظة أدركتُ أن بعض القصص لا تنتهي عندما يفترق الاثنان، بل تبقى معلقة في الهواء… تنتظر فقط أن ينضج الكلا الطرفين بدرجة تكفي للعودة.
بعد سنة كاملة، أخذني طارق إلى مطعم الياسمين نفسه، وجلسنا عند الطاولة ذاتها. وضع ظرفاً أمامي فنظرتُ إليه بحذر:
— “رسالة أخرى؟”
— “أتمنى أن تعجبكِ.”
فتحتُ الظرف، فوجدتُ ورقة فيها جملة واحدة:
“هذه المرة لن أقرر نيابة عنكِ…”