الأم ممنوعة من الحضور _ محمد نور
—لو تجرأت أمك وظهرت في حفل الترقية، أقسم لك أنك ستغادرين هذا البيت معها في نفس الليلة!
وقفتُ مذهولة في الممر، أقبض بيدين مرتعشتين على حقيبة الأواني الفارغة. كانت ابنتي قد أغلقت باب شقتها للتو، ولم أكن قد وصلتُ إلى المصعد بعد حين تناهى إلى سمعي صوت زوجها من الداخل.
—لكنها ترقيتك يا طارق.. ظننتُ أنك تريدنا معك.
—ولماذا أريد ذلك؟ لأقدّم زوجتي كصاحبة مطعم شعبي بسيط وأمها كطباخة؟ الحفل سيحضره مدراء، وشركاء، وشخصيات مرموقة.. حضوركما سيجعلني أبدو أمامهم كصعلوك!
لم أطرق الباب. لم أرد أن تعلم “هبة” أنني سمعتُ شيئاً. نزلتُ عبر الدرج لأن ساقَي كانتا ترتجفان بحدة لا تسمح لي بالانتظار أمام المصعد.
في السابعة والستين من عمري، كنتُ أساعد ابنتي في مطعم صغير للوجبات الشعبية في أطراف الرياض. أصل كل صباح قبل السابعة، أقطع الخضار، وأعدّ الإدام والسلطات، وأرتب الطلبات. كان طارق يمقُت ذلك المكان، ويدّعي دائماً أن رائحة الثوم والبهارات والزيت تتشبث بالملابس وتجعله يشعر بـ “الدونية”.
في البدء، حاولتُ أن ألتمس له العُذر. فهو يعمل في شركة “القمة للإنشاءات”، وهي واحدة من أكبر شركات المقاولات في المنطقة. نشأ في ظروف صعبة وشقّ طريقه بجهده ودراسته، فظننتُ أن شغفه بالمظاهر ليس إلا خوفاً طفيلياً من العودة إلى الفقر.
لكن مع مرور السنين، أدركتُ أنه لم يكن خوفاً..
بل كان ازدراءً مقيتاً.
عندما ولد حتيدي “عمر”، أعدّت “هبة” جمعة عائلية صغيرة. طبختُ حينها الأرز باللحم والمحاشي كما تحبها ابنتي منذ صغرها. لكن طارق أصرّ على أن أبقى في المطبخ ولا أخرج للصالون طالما كان زملاؤه موجودين.
قال لي بتكلّف:
—لا تأخذي الأمر بشكل شخصي يا خالة خديجة، لكن الضيوف من طبقة ميسورة ورسمية جداً.
قضيتُ سهرة تلك الليلة أستمع لضحكاتهم من خلف الباب المغلق.
وفي مناسبة أخرى في العيد، أعددتُ أطباقاً من الحلويات الشعبية والشرقية بيدي. وما إن فتح طارق الباب وشَمّ الرائحة حتى قطّب حاجبيه بزئير مكتوم:
—في المرة القادمة اشتروا شيئاً جاهزاً.. الرائحة تملأ البيت بشكل لا يطاق.
وكانت “هبة” تجد له الأعذار دائماً:
—أمي، إنه تحت ضغط كبير في العمل.
—أمي، لديه اجتماع مهم غداً.
—أمي، لا تأخذي كلامه على محمل الجد.
كنتُ أكتفي بالهزّ الهادئ لرأسي لأني لم أرد أن أكون سبباً في شجار بينهما. لقد ربيتها بمفردي منذ توفي والدها وهي في السادسة من عمرها، وكان أكبر مخاوفي دائماً أن أكون عبئاً على حياتها.