الأم ممنوعة من الحضور _ محمد نور
تسمّر طارق في مكانه.
فتحت إحدى عضوات اللجنة الملف:
—هناك اجتماعات غير مسجلة وتوصيات لتعديل بنود عقد.. وسيتم تحويل الأمر للجنة النزاهة والتحقيق.
في تلك الليلة، صُدّر قرار بتجميد ترقيته فوراً. لم أطلب طرده المباشر بدافع الانتقام، بل طالبتُ بتطبيق النظام والتحقيق العادل كما يُطبق على أي موظف. وبعد أسبوع، أثبتت التحقيقات استغلاله لسلطته ومحاولته تسريب معلومات داخلية، فتم فصله نهائياً من الشركة.
أما الانتصار الحقيقي بالنسبة لي، فكان بعيداً عن القاعة.
عدتُ للبيت ووجدتُ “هبة” تجلس وعيناها متورمتان من البكاء بعد أن استمعت للتسجيل كاملاً.
سألتني بألم:
—أمي.. لماذا احتملتُ كل هذا الجحيم؟
جلستُ بجوارها وقلت:
—لأنكِ خلطتِ بين الصبر والحب يا ابنتي.. كما خلطتُ أنا بين الصمت والحماية.
—هل كل ما قيل عن الشركة صحيح؟
—نعم.. بدأنا من الصفر، بأوراق وقروض وكفاح مرير، وبعد وفاة والدكِ آثرتُ أن أترك الإدارة للمحترفين مع الاحتفاظ بحقنا، حتى تنشئي دون أن يطمع أحد في مالنا.
دمعت عيناها وقالت:
—ولكني انتهيتُ مع شخص لا يرى في الحياة سوى المال!
—هذا يعكس معدنه هو، لا قيمتكِ أنتِ.
في اليوم التالي، توجّهت هبة لمكتب المحاماة وبدأت إجراءات الطلاق بكل ثبات.
وحين أدرك طارق جدّية الأمر، حاول الاعتذار ثم ألمح إلى التهديد بالبيت، وهنا ظهرت المفاجأة الثانية؛ فالشقة لم تكن حسابه مطلقاً، بل كانت مسجلة في وقف عائلي لصالح هبة وابنها “عمر”، ولم يكن له أي حق قانوني فيها.
أما مطعمنا البسيط الذي كان يسخر منه، فقد كان كياناً مسجلاً رسمياً منذ سنوات يمنح رزقاً لست عائلات.
مرت أيام الطلاق بصعوبات وأوراق قانونية، لكن ابنتي خرجت منها وهي مرفوعة الراس، عادت تستقبل الحياة وتضحك دون خوف.
وبعد أشهر، طوّرت هبة عمل المطعم ليوفر وجبات سريعة وراقية للشركات، دون استخدام اسمي أو نفوذ “القمة”. ومن بين عشرات الشركات، كان أحد زبائنها الجدد هي شركة المقاولات نفسها!
سألتني ضاحكة:
—أمي.. هل تدخلتِ في هذا الطلب؟
—أقسم لكِ أنني لم أتدخل!
—إذاً فقد أعجبهم إدام المحشي الخاص بنا!
—كما يعجب كل أهالي الرياض يا ابنتي!
لم أعد للإدارة اليومية، بل اكتفيتُ بمتابعة الصندوق العائلي، وعدتُ لمساعدة ابنتي في مطعمها.
وفي أحد الصباحات، وأنا أعدّ الأطباق، مسكت هبة بيدي وقالت: