لقاء مع الماضي – محمد نور

— “لأنه لم يصل للأسوء بعد،” أشار بسبابته على سطر في التقرير وأردف: “جسدكِ يحذركِ منذ فترة.”

هززتُ كتفي بقلة حيلة:

— “أعمل كثيراً، هذا كل ما في الأمر.”

— “أعلم ذلك.”

نظرتُ إليه باستغراب:

— “وكيف لك أن تعلم؟”

صمت طارق لثانية واحدة… لكنني لمحت التردد في عينيه، فتشنج شيء ما بداخلي.

— “طارق…”

— “من أعراضكِ فقط.”

— “أنت تكذب! منذ متى وأنت تعرف مكان عملي؟”

— “يا مريم…”

— “منذ متى؟!”

أغلق طارق الملف ببطء:

— “منذ فترة.”

ضحكت بتهكم خالي من أي مرح:

— “يا للروعة! أربع سنوات دون اتصال واحد، أربع سنوات دون رسالة، ثم أكتشف أنك تعرف أين أعمل!”

— “اجلسي يا مريم.”

— “لستَ خطيبي كي تصدر إليّ الأوامر!”

مرت في عينيه لمعة ألم سريعة، واختفت قبل أن أتأكد منها:

— “لم أقصد الإمر عليكِ.”

وجعتني إجابته الهادئة أكثر مما توقعت. رفعتُ حقيبتي وقيلت:

— “إذن، انتهى نقاشنا.”

وعدتُ لأكره تلك الكلمة فوراً، وهو أيضاً كرهها… وعرفتُ ذلك حين انقبضت يده على القلم بقوة.

— “مريم…”

— “ماذا؟”

— “تحتاجين إلى الراحة.”

— “سأرتاح.”

— “والالتزام بأوقات وجبات منتظمة.”

— “حسناً يا دكتور.”

— “ولا تفرطي في شرب القهوة.”

— “أمرك يا دكتور.”

— “وإذا زاد الألم…”

— “سأطلب طبيباً آخر لا يربطني به أي ماضٍ!”

تجمد طارق مكانة، ففتحت الباب وخرجت.

— “اعتني بنفسكِ،” قالها بصوت خافت خلفي.

توقفتُ في مكاني… خلال فترة خطبتنا، قال لي هذين الكلمتين مئات المرات. حين أتأخر في طريق العودة، وحين أسافر، وحين أتمرض، وحتى حين يغضب مني ولا يسمح له كبرياؤه بأن يقول “أحبك”. كانت دائماً طريقته الصامتة في التعبير عن اهتمامه.

لم ألتفت خلفي وقلت:

— “وأنت أيضاً.”

ظننتُ أن القصة انتهت عند هذا الحد، وأن القدر اكتفى بتلك المزحة الثقيلة. غير أن طارق ظهر مجدداً بعد يومين… وهذه المرة في مقر عملي!

كنتُ أجلس أمام حاسوبي أراجع للمرة الثالثة عرضاً تقديماً قرر مديري تغييره قبل الاجتماع بربع ساعة.

— “مريم…”

رفعتُ رأسي لأجد زميلتي “سارة” تطل عليّ من حاجز المكتب:

— “هناك شاب وسيم جداً يسأل عنكِ في الاستقبال.”

— “قولي له إنني مت.”

— “صدقيني، لو كان يسأل عني لحييتُ من جديد!”

— “سارة، أرجوكِ…”

اقتربت مني وهامستني:

— “طويل، أسمر الملامح، ويبدو كأنه طبيب… جاد جداً وكأنه بطل مسلسل لا يبتسم إلا في الحلقة الأخيرة!”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *