لقاء مع الماضي – محمد نور

حدقتُ فيه طويلاً.

آه… هكذا إذن؟

ممتاز جداً يا دكتور طارق.

إذن أنا الآن بلا جنس بالنسبة لك!

عامان من الحب، ومئات الوعود، والأيام السعيدة… وفجأة تحولتُ أمامه إلى مجرد “كائن حي ذي حزمة أعضاء”!

— “فهمتُ يا دكتور،” أجبته بابتسامة تقطر تقاطيعها بالتهكم، “وأنا أيضاً أشاركك نفس الرأي تماماً.”

صعدتُ على السرير، وبحركة خاطفة وسريعة رفعتُ طرف عباءتي دون أن أترك له مجالاً للاستعداد.

كانت الحركة مفاجئة وأكثر قسوة مما ينبغي، فداهمني ألم حاد أوجع بطني.

— “آه…”

عضضتُ على شفتي كي لا أخرج صرخة.

رفع طارق نظره فوراً.

وهنا حدث شيء غريب…

الطبيب الجليدي المتماسك اختفى في أسرع من ألمح البصر.

شخصت عينان في وجهي، ثم هبطتا لا إرادياً نحو موضع الألم.

انقبض فكّه بشرس… وأخذت أطراف أذنيه تكتسي بحمرة داكنة!

كنتُ أعرفه أكثر من أي شخص آخر.

طارق الهاشمي يستطيع ضبط أعصابه في أحلك حالات الطوارئ الطبية، ويستطيع مناقشة كبار الأساتذة بثبات لا يتزعزع…

لكنه حين يحرج أو يرتبك…

كانت أذناه تفضحانه دائماً!

تماماً كما كان يحدث عندما كنا في العشرين من عمرنا.

شعرت بنغزة غير منطقية في قلبي.

— “ألم تقل قبل قليل إن المرضى لا جنس لهم؟” همستُ بها.

أحرف طارق وجهه بعيداً.

— “لا تتكلمي.”

— “ولماذا؟”

— “لأنني بحاجة إلى التركيز.”

— “أمرك يا دكتور.”

أصدرت الممرضة صوتاً يشبه السعال لتخفي ضحكة كادت تنفلت منها.

أمسك طارق بجهار السونار، ولمست المادة الهلامية الباردة بشرتي.

اقشعر جسدي.

— “إنه بارد جداً.”

— “أعلم.”

— “كان بإمكانك تنبيهي.”

— “هو دائماً بارد.”

— “ما زلت تشع ذوقاً ومراعاة كعادتك.”

توقفت يد طارق.

لحظة خاطفة فقط… ثم واصل الفحص.

أغمضتُ عينيّ، ورغماً عن كل منطق، تزاحمت الذكريات في عقلي.

أول مرة التقيتُ فيها بطارق كانت خلال نشاط طلابي مشترك بين الكليات في الجامعة.

كنتُ أدرس اللغات والترجمة، وكان هو يدرس الطب، يكبرني بثلاث سنوات، ومن أولئك الطلاب أصحاب العقول الفذة الذين يبدو وكأنهم ولدوا وهم يعرفون ماذا يريدون من الحياة بالضبط.

كانت الفتيات يتنافسن على لفت انتباهه.

كان طارق طويلاً، أسمر الملامح بمهابة، ومؤدباً لحد الجفاء، وغير مهتم بالتعارف لدرجة أنه رفض أربع طلبات إضافة على هاتفه خلال أقل من ساعة.

أما أنا، فكنتُ في الحادية والعشرين، يمتلكني كبرياء أهوج وعدم إدراك للمخاطر.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *