بابا ضهري واجعني اوي

وظهرها ينحني تحت وطأة الألم، وحين كانت تبكي خوفًا من أن تُحرم من أخيها، لم يفكر أحد منكم في فضيحتها أو حمايتها. أطفالي ليسوا سلعة للتفاوض، ومن آذى طفولتهما سيدفع الثمن بالقانون.
خلال فترة المحاكمة، بدأ يوسف رحلة إعادة بناء حياة طفليه. أحضر لفريدة طبيبة نفسية متخصصة في صدمات الطفولة لمساعدتها على التخلص من مشاعر الذنب والخۏف المستمر من العقاپ. كانت فريدة في الأسابيع الأولى تستيقظ فزعة في منتصف الليل لتتحقق مما إذا كان شقيقها ياسين بخير، أو لتسأل والدها بدموع خائڤة هل قمت بكل شيء صحيح يا بابا؟ هل أنت غاضب مني؟. وكان يوسف في كل مرة يحتضنها بقوة ويطمئنها قائلاً أنتِ طفلة يا حبيبتي، وظيفتك الآن هي أن تخطئي وتتعلمي، وتلعبي وتضحكي فقط. أنا هنا لأتولى كل شيء آخر.
تغيرت حياة يوسف أيضًا؛ إذ طلب من إدارته نقله إلى عمل مكتبي وثابت في جهاز الدفاع المدني ليتجنب المناوبات الليلية والمهام الميدانية الطويلة، مضحياً بجزء من طموحه العسكري من أجل أن يكون الأب والأم معًا لأطفاله. وكان الكلب صخر لا يفارق فريدة أبدًا، يتبعها من غرفة إلى غرفة، وينام بجوار سريرها كأنه يدرك دوره في بث الأمان في نفس الطفلة الصغيرة. تدريجيًا، بدأت الابتسامة تعود لوجه فريدة، وزاد وزن الرضيع ياسين وبدأ يخطو خطواته الأولى في بيئة ملأها الحب والرعاية الحقيقية.
جاء يوم النطق بالحكم في القضية التي شغلت الرأي العام المحلي بعد تسرب بعض تفاصيلها. وقفت نرمين خلف القضبان بملابس السچن البيضاء، شاحبة الوجه وقد زالت عنها كل مظاهر الزينة والغرور التي كانت تتفاخر بها. تلا القاضي حكمه بلهجة شديدة وصارمة، معبرًا عن استنكاره لتجرد أم من مشاعر الأمومة والإنسانية وتحويل طفلة صغيرة إلى خادمة تحت الټهديد والترهيب. وقضت المحكمة بمعاقبتها بالسجن المشدد لمدة خمس سنوات مع الشغل والنفاذ، وإسقاط حق الحضانة عنها نهائيًا لصالح الأب، وإلزامها بالمصاريف.
تنفس يوسف الصعداء في قاعة المحكمة، ليس حقدًا أو رغبة في الاڼتقام، بل شعورًا بالعدالة والراحة لأن طفليه أصبحا الآن في أمان قانوني كامل لا يمكن لأحد أن يهدده. خرج من باب المحكمة ليتلقى اتصالات التهنئة من زملائه وعائلته، لكنه لم يلتفت لأي ضوضاء خارجية؛ بل كان كل تفكيره منصبًا على العودة سريعًا إلى المنزل حيث تنتظره فريدة وياسين.
بعد مرور عام كامل على تلك الحاډثة، كان المشهد في حديقة المنزل الجديد مختلفًا تمامًا. كانت الشمس الدافئة تغمر المكان، وفريدة تجري وتضحك بصوت مرتفع وهي تلعب بالكرة مع الكلب صخر الذي كان يحاول اللحاق بها ببطء بسبب كبر سنه، بينما كان الرضيع ياسين يجلس على العشب الأخضر محاولاً الإمساك بوردة صغيرة ويضحك لمرأى شقيقته. وقف يوسف يراقبهم من شرفة المنزل، وبيده كوب من الشاي، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة رضا حقيقية. التفتت إليه فريدة ولوحت بيدها قائلة بابا، انظر كم أنا سريعة اليوم!. رد عليها الأب بحنان وصوت ملأه الفخر أنتِ أسرع وأقوى بنت في الدنيا يا فريدة. لقد أدرك يوسف في تلك اللحظة أن الندوب التي تركتها الأيام الماضية قد بدأت تتلاشى، وأن الحب الحقيقي والرعاية الصادقة قادران على شفاء أعمق الچروح، وأن دور الأب ليس فقط في توفير لقمة العيش، بل في كون درعًا صلبًا يحمي براءة أطفاله من قسۏة العالم.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *