حكاية ايهاب وليلي ٢ – منى السيد
الجزء الثالث والأخير
فضلت واقفة متسمرة مكاني، مش قادرة أصدق إن الراجل اللي واقف قدامي دا، بهيبته وبدلته اللي تسوى ألوفات، هو نفسه اللي كان بيشمر دراعاته كل ليلة ويقف على الحوض يغسل صواني العجين، ويضحك من قلبه لما دقيق يطير على مناخيره.
إيديه كانت دافية أوي وهي محاوطة كفوفي الباردة. كنت حاسة بنبض قلبي بيضرب في وداني، وصوته لسه بيرن جوايا: «أنا من الليلة دي، اتولدت من جديد على إيدك يا ليلى».
سحبت إيدي منه بالراحة، خطيت خطوة لورا وسندت على البنك الخشب. بصيت للإزاز المتدغدغ في الأرض، ولبواقي الدقيق اللي اختلط بالتراب، ورفعت عيني فيه تاني: — يعني إنت مكنتش تايه ومحتاج مساعدة بجد؟ إنت كنت بتلعب بيا يا إيهاب بيه؟
وشه اتغير تماماً، والحدة اللي كانت عليه من شوية اختفت، وحل مكانها وجع حقيقي وهو بيقرب خطوة مني راجيًا: — والله العظيم ما لعبت بيكي، ولا كدبت في حرف واحد قولتهولك! ليلتها كنت ميت بجد يا ليلى.
سكت ثانية وأخد نفس عميق كأنه بيفتكر أصعب لحظة عدت عليه: — أمي.. الله يرحمها.. كانت كل حاجة في دنيتي بعد ما والدي سابنا وإحنا صغيرين. يوم ما ماتت، حسيت إن ضهري اتقطم وإن كل الفلوس والشركات دي ملهاش تلاتين لزمة. في الليلة المشؤومة دي كانت الذكرى السنوية الأولى لوفاتها، رحت المقابر في عز البرد والمطر، وفضلت قاعد هناك لحد ما الليل ليل. كنت منهار لدرجة إني مش شايف قدامي، ركبت عربيتي وسوقتها في شوارع المعادي وأنا دماغي مش معايا.. عملت حادثة خفيفة ع الرصيف، والعربية عطلت، وموبايلي شحنه فصل ومحفظتي ضاعت في التوهة دي كلها. نزلت أمشي في الشارع وسط السقعة والتلج مش فارق معايا أعيش ولا أموت.. لحد ما رجلي قادتني لبابك.
بصلي نظرة حفرت في روحي، وعينيه لمعت بدموع حقيقية: — لما فتحتيلي الباب.. ومدتليش إيدك عشان تعرفي أنا ورايا إيه ولا هديكي إيه، لما قعدتيني جنب الفرن ولفيتي كتافي ببطانية ستي وسقيتيني سحلب بإيدك.. أنا حسيت إن ربنا باعتلي ملاك يرجعني للدنيا. من اللحظة دي، من أول نظرة في عينيكي الطيبين دول، وأنا وقعت في حبك يا ليلى. عشقتك وعشقت المكان دا، عشان كنت هنا إيهاب الإنسان، مش إيهاب رئيس مجلس الإدارة اللي الكل بيتمنى رضاه عشان مصلحة.
كلامه نزل على قلبي زي المية الباردة في عز الصيف، الحيرة اللي كانت جواه اتلاشت، والنار اللي كانت قايدة في صدري خمدت وبقى مكانها دفا عمري ما حسيته. كنت بحبه، كنت غرقانة في حبه من غير ما أنطق ولا كلمة، وكل نظرة عتاب كانت مخبية وراها خوف من إني أصحى من حلم جميل.