فتاة التراب
وارتفعت المؤشرات لأول مرة منذ أشهر.
وفي اللحظة نفسها، اتسعت عينا طارق وهو يرى صدر أميرة يرتفع بقوة، وكأنها تحاول أن تأخذ نفساً عميقاً بعد غياب طويل.
أما ليلى، فاكتفت بالنظر إليها وهمست:
— “لقد شعرت بها… إنها تشم رائحة الأرض.”
وفي أقل من دقيقة، اندفع الأطباء إلى الغرفة بعد أن سجلت الأجهزة استجابة عصبية لم يروها طوال فترة غيبوبتها…
لكن عندما التقط طارق الوعاء الفخاري ليرفعه عن الطاولة، لاحظ شيئاً مدفوناً في قاع التراب…
شيئاً قديماً لم يكن مجرد قطعة ورق…
وكان كفيلاً بتغيير كل ما ظنه يعرفه عن زوجته.
خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد
## **الجزء الثاني: بوارق الأمل.. والطعنة الغادرة**
انتشر خبر الاستجابة الطفيفة التي أبدتها **أميرة** كالنار في الهشيم بين أروقة المستشفى. حاول الأطباء جاهدين إيجاد تفسير علمي ومنطقي لما حدث؛ راجعوا الفحوصات، وأعادوا التحاليل الطبية مراراً وتكراراً، إذ لم يكن أحدٌ منهم مستعداً للاعتراف بأن طفلة في السابعة من عمرها قد صنعت معجزة عجز عنها الطب.
حتى **طارق** نفسه كان يعيش حالة من الذهول والشك، لكنه في الوقت ذاته لم يكن قادراً على تجاهل ما رأته عيناه.
منذ تلك الليلة، أصبحت الطفلة **ليلى** تزور غرفة أميرة برفقة جدتها **مريم**. لم تكن تدخل الغرفة دائماً، لكنها كلما دخلت، كانت تجلس بهدوء قرب الفراش وتخاطب أميرة بنبرة تبعث على الس\كينة:
— “يا خالة أميرة، طفلكِ ينتظر بشوق أن يراكِ، وأرضنا الطيبة تشتاق إليكِ”.
كان طارق يراقبها وينصت لكلماتها في صمت متأمل. لقد أمضى شهوراً وهو يتحدث إلى زوجته، لكن طريقة ليلى كانت مختلفة تماماً؛ لم تكن تخاطبها كأنها مريضة تحتضر، بل كانت تحدّثها كأنها مجرد مستغرقة في نوم عميق وستستيقظ بعد قليل.
ومع مرور الأيام، بدأت أميرة تُظهر إشارات صغيرة ولكنها واعدة؛ كانت تحرك أطراف أصابعها خفية، وتتفاعل مع الأصوات المألوفة حولها. حتى إنه في أحد الأيام، عندما شغّل طارق تسجيلاً صوتياً له وهو يناجي طفلهما المنتظر، انحدرت دمعة دافئة على وجنة أميرة.
اندش الأطباء من هذا التقدم، لكن الفرحة لم تدم طويلاً..
فجأة، ظهرت عائلة أميرة في المستشفى، ولم تكن زيارتهم بدافع الاطمئنان، بل حملوا معهم طلباً صادماً وغير متوقع. وصلت شقيقتها الكبرى، **رندة**، برفقة محامٍ، وادّعت أن طارق ليس مؤهلاً لاتخاذ القرارات الطبية الصحيحة بحق أميرة.