سلفتي بعتتلي كيس رز ٢
الراجل ده مكنش غريب تمامًا على المكان، ملامحه كانت قاسية، وعينيه الجاحظة كانت بتلف في الجنينة وبتبص على الشاليه بوهوج وكأنه جاي ياخد حقه المدفون. نزل من عربية النقل الكبيرة، وقفل الباب وراه برزعـة هزت الشارع الهادي، وورا منه نزل تلات رجالة من اللي جسمهم يهد حيطة، باين عليهم العنف والشراسة.
فريدة حست بإنقباضة في قلبها، بس برستيجها كقوة وسيدة أعمال مخلهاش تتهز. طلعت خطوتين بره عتبة الباب، وأُنعام كانت واقفة وراها، وبمجرد ما لمت الشمل وشافت الراجل ده، وشها اتقلب ألوان، وجسمها كله بدأ يرتعش زي الورقة في مهب الريح، وضمت بنتها الصغيرة لدرجة إن البنت عيطت من كتر الضغطة.
«هو.. هو تاني يا فخر؟ أنت إيه اللي جابك ورايا هنا؟».. الصوت طلع من أُنعام مبحوح ومكتوم، كأنه طالع من بير غريق.
الراجل اللي اسمه فخر ده، قرب بخطوات سريعة، ووقف على بعد مترين من فريدة، وبص لأُنعام باحتقار وقال بصوت جهوري سَمّع الجيران:
«جاي آخد حاجتي يا هانم! فاكرة نفسك هتستخبي مني في شاليهات العجمي؟ بقالي ست شهور قالب عليكي مصر وحواريها، والكلب اللي شغال في الموقف قالي إنه شافك وراكبة ميكروباص على إسكندرية. اخلصي يا بت.. فين الأمانة اللي كانت مع جوزك قبل ما يفطس؟»
فريدة وقفت في النص، حطت إيدها في وسطها وبصتله بعين قوية وقالت بنبرة كلها ثقة تزلزل أي حد:
«أنت مين أنت وعايز إيه؟ وداخل تقتحم ملكية خاصة بالشكل ده ازاي؟ أنت مش عارف أنت واقف قدام مين وبتاع إيه؟»
فخر بص لفريدة من فوق لتحت، ضحك ضحكة صفرا تقرف وقال:
«وأنتِ تطلعي مين بقى يا أبلة؟ المحامية بتاعتها؟ المتر ده ملك الحاج منصور، وجوز الست دي كان شغال عندي، ومات وهو مديون لي برقبتـه. الست دي هربت وخدت معاها صندوق صفيح كان جوزها شايله عنده أمانة تخصني، وأنا مش هتحرك من هنا من غير الصندوق.. ومن غير البت وأمها عشان نتحاسب على القديم والجديد!»
أُنعام صرخت وهي بتبكي:
«كداب! والنعمة الشريفة كداب يا فريـدة هانم! جوزي مات من قهرته بسببه، أخدوا مننا الدكان وشقانا كله وطردونا في البرد، وهو اللي كان مديون لجوزي بفلوس البضاعة. الصندوق الصفيح ده مكنش فيه غير ورق ديون جوزي لسه مخلصهاش من السوق، ومفيش أي أمانات تانية!»
فريدة هنا ربطت الخيوط ببعضها بذكائها التجاري الشديد.. فخر ده ميعرفش حاجة عن طقم الذهب الأثري بتاع جدتها اللي أُنعام لقته تحت البلاطة، هو بيدور على حاجة تانية خالص، أو يمكن فاكر إن الصندوق الصفيح القديم فيه سر تاني. بس الأهم من ده كله، إن الراجل ده جاي يبلطج في ملكها هي!
فريدة طلعت تليفونها بكل برود، وبصت لفخر وقالت:
«طب تمام قوي.. البلاطجة اللي زيك مكانهم معروف. دقيقة واحدة والشرطة هتكون هنا، ونشوف بقى مين اللي مديون ومين اللي مقتحم بيوت الناس وعايز يثبت عليهم قضايا سرقة بالإكراه.»
فخر وشه اتغير للحظة، بس رجاله اللي وراه قربوا منه ووشوشوه بكلام، فرجع يرفع صوته تاني وقال:
«شرطة إيه يا هانم اللي تخوفيني بيها؟ أنا معايا وصل أمانة بيمين مغلظ وممضي من المحروس جوزها بمية ألف جنيه، يعني من حقي أخدها هي والبت وأي حاجة تملكها لحد ما فلوسي ترجع. والرجالة اللي معايا دول مبيخافوش، لو مطلع تيش الصندوق ده بالذوق، هنقلب الشاليه ده طوب فوق بعضه، ومحدش هيلحقك!»
في اللحظة دي، الجيران بدأت تفتح الشبابيك وتبص من بعيد، بس مفيش حد تجرأ ينزل قدام الأشكال دي. فريدة مكنتش خايفة على نفسها، هي قوية وعندها علاقات، بس كانت خايفة على أُنعام والطفلة لو حصلت خناقة والرجالة دول هجموا.
وقبل ما فريدة تطلب النجدة، تليفونها رن تاني.. كان حازم مدير أعمالها برضه، بيستفسر عن الأوراق اللي طلبتها. فريدة فتحت الخط وسابت المايك شغال وهي بتزعق في فخر عشان حازم يسمع:
«أنت بتهددني يا فخر؟ بتهدد فريدة السيوفي في بيتها؟ وعايز تسرق شاليهي وتاخد ست غلبانة بالبلطجة؟»
حازم على الناحية التانية سمع الجملة، وفهم فورا إن فريدة في مشكلة كبيرة. صوت حازم طلع من التليفون مخضوض:
«فريدة هانم! أنتِ فين؟ العجمي؟ أنا هكلم المستشار فورا ورجالـة الأمن بتوع الشركة اللي في البيطاش يتحركوا عندك حالا، متعمليش أي حاجة لحد ما نوصل!»
فخر لمح التليفون، وفهم إن الموضوع هيكبر، فاشار لرجاله وقال:
«هاتوا الست والبت واخلصوا.. مش هقعد استنى لما تلم علينا الخلـق!»
اتنين من الرجالة هجموا خطوتين على السلم الصغير بتاع الشاليه، أُنعام صرخت واأستخبت ورا ظهر فريدة وهي بتبكي وبتقول:
«يا رب استرنا.. يا رب مليش غيرك.»
فريدة وقفت زي السد المنيع، ورفعت إيدها وقالت بزعيق هز المكان:
«اقسم بالله اللي هيقرب خطوة كمان لهكون دافناه مكانه! الشاليه ده كله كاميرات مراقبة ومتوصلة بمديرية الأمن فورا، وشوشكم كلها ملقوطة بالتفصيل!».. مكنش في كاميرات ولا حاجة، بس فريدة كانت بتلعب بذكاء وثبات انفعالي عشان تكسب وقت.
الرجالة ترددوا ووقفوا يبصوا لفخر، وفخر بدأ يتوتر بس العند والشر اللي في عينه عمااه، وقالهم:
«مفيش كاميرات ولا زفت، ادخلوا هاتوا الصندوق والبت!»
وفي اللحظة اللي الراجل الكبير فيهم مد إيده عشان يزيح فريدة من على الباب، حظهم الأسود حطهم في مواجهة مع حاجة مكنوش يتوقعوها. صوت فرملة عربيات جيب سوداء كبيرة قطعت الشارع الصغير، ونزل منها رجال الأمن الخاص بتوع شركة فريدة السيوفي، ومعاهم حازم مدير الأعمال اللي مَضيّعش ثانية، لإن فرع الشركة الأساسي لتوزيع البضائع كان قريب جدا من المنطقة.
أكتر من تمن رجالة ببدل سوداء وجسم رياضي حاصروا عربية النقل ورجالة فخر في ثواني. حازم قرب بسرعة وقف جنب فريدة وقال بلهفة:
«أنتِ كويسة يا فندم؟ حصلك حاجة؟»
فريدة أخدت نَفَس طويل، وبصت لفخر اللي وشه بقى أبيض زي الملّاحة، ورجاله بدأوا يتراجعوا لورا ويرفعوا إيديهم. فريدة شاورت على فخر وقالت لحازم:
«البيه جاي يبلطج، ومعاه وصل أمانة مزور بيهدد بيه الست دي، وعايز يقتحم الشاليه بتاعي. خدوهم كلهم، ومحدش يتحرك من هنا لحد ما البوكس ييجي، والمستشار بتاعنا يرفع قض\ية ترويع وأعمال بلطجة ومحاولة سرقة بالإكراه.»
فخر حاول يغير لهجته بسرعة لما لقى اللعبة قلبت ضده، وقال بتلعثم:
«يا فندم أنا مكنتش أعرف إن المكن ده تبعك.. أنا ليا حق عند الست دي وكنت جاي أخده بالأصول..»
«الأصول دي في المحكمة يا روح أمك!».. حازم اللي رد عليه بقسوة، ورجال الأمن مسكوا فخر ورجالته وكتفوهم تماما لحد ما صوت سرينة عربية الشرطة بدأ يظهر من أول الشارع بعد ما البلاغ الرسمي اتعمل من المستشار القانوني للشركة.
الشارع كله اتقلب، والشرطة أخدت فخر ورجالته، وأُنعام اضطرت تروح مع حازم والمحامي عشان تدلي بأقوالها وتثبت إن الراجل ده طردها واستولى على حاجتها في القاهر ومزور وصل الأمانة عشان يبتزها. فريدة صممت إنها تروح معاها، بس أُنعام حلف ت عليها وقالتلها:
«يا هانم خليكي أنتِ مع البنت الصغيره هنا، البنت مرعوبة ومستحملتش، وأنا معايا الأستاذ المحامي وحازم بيه، والحمد لله حقي هيرجع بفضل ربنا وفضلك.»
فريدة وافقت بعد إلحاح، وأخدت الطفلة الصغيرة في حضنها، ودخلوا الشاليه وقفلوا الباب. البنت كانت لسه بـترتعش، ففريدة عملت لها كوباية لبن دافية وقعدت تحكيلها حكايات وتطمنها لحد ما البنت نامت على الكنبة وهي ماسكة في فستان فريدة كأنها لقت أمانها الضايع.
ساعتين ورا ساعتين عدوا، وفريـدة قاعدة بتفكر في المتاهة دي. شافت طقم الذهب الأثري محطوط على الترابيزة قدامها.. القطعة دي مفيش منها اتنين، معمولة عمولة لجدتها من الألماظ الحر والذهب الأبيض، وسعرها النهاردة كفيل يشتري قصر مش بس شاليه. شافت أمانة أُنعام اللي كانت عايشة في الضنك والبرد ومع ذلك ممدتش إيدها على حاجة مش بتاعتها. وقارنت ده بـ فخر والناس اللي برا اللي بياكلوا في لحم بعض عشان المادة.
على الساعة واحدة بعد نص الليل، الباب خبط. فريدة قامت بسرعة وفتحت، كانت أُنعام وحازم راجعين. أُنعام كانت باين عليها التعب بس عينيها مرتاحة.
حازم قال لفريدة:
«كله تمام يا فندم. فخر اتقبض عليه، وطلع عليه قضايا تانية ونصب وتزوير، والمحامي بتاعنا لبّسه قض\ية بلطجة ودخول ملكية خاصة، والوصل اللي معاه ثبت إنه مزور ومفيش أي حاجة ضد مدام أُنعام.. بالعكس، المحامي هيفتح ملف الدكان والشقة اللي أخدوهم منها غصب في القاهرة بعد وفاة جوزها.»
أُنعام دموعها نزلت وقالت:
«أنا مش عارفة أشكرك ازاي يا فريدة هانم.. أنا كنت ضايعة، وربنا جعلِك سبب في نجدتي مرتين.. مرة من البرد في المطار، ومرة من ولاد الحرام هنا.»
فريدة ابتسمت وطبطبت عليها وقالت:
«الشكر لله يا أُنعام.. أنتِ سِت أصيلة وعينِك مليانة، واللي زيك قليلين قوي في الزمن ده. طقم الذهب اللي أنتِ لقيتيه ده يخص عيلتي، وأنتِ حافظتي عليه كأنه روحك، وده تمنه عندي ملوش حساب.»
حازم بص لفريدة باستغراب وقال:
«طقم ذهب إيه يا فندم؟»
فريدة شاورت لحازم على العلبة القطيفة وقالتله:
«شوف يا حازم.. دي الأمانة اللي أُنعام لقتها هنا وشالتها ليا. وعشان كده، الكلام اللي قلتهولك في التليفون هيتنفذ. من بكرة الصبح، أُنعام هتبقى المسؤولة عن إدارة التوريدات والتشوين في المصنع الجديد بالإسكندرية، شقة الإدارة اللي فوق المصنع هتبقى سكن ليها ولبنتها، والشاليه ده مدهون ومتوضب بفضل إيدها، هيفضل مفتوح ليها في أي وقت.»
أُنعام شهقت ومش مصدقة الـكرم والتحول الرهيب في حياتها، من الشارع للمطار للشاليه، والنهاردة بتبقى مديرة ومسؤولة في شركة كبيـرة! وقفت مش قادرة تتكلم، وحازم نفسه ابتهج للأمر لإن فريدة بتمتلك نظرة ثاقبة في الناس والأمانة هي العملة النادرة في السوق.
حازم استأذن ومشي عشان يخلص إجراءات الصباح، وفريدة وأُنعام قعدوا يتكلموا ويخططوا للخطوات الجاية. فريدة حست براحة نفسية مكنتش حساها بقالها سنين وسط لغة الأرقام الجافة، واكتشفت إن السفرية اللي اتأجلت 6 شهور كانت متدبرة من ربنا عشان اللحظة دي بالذات تتكامل.
تاني يوم الصبح.. الشمس طلعت مـنوّرة على البحر في العجمي، ووصوت الموج كان هادي وصافي. فريدة صحيت على ريحة قهوة مـظبوطة وفطار سخن أُنعام جهزته بحب. قعدوا كلهم يفطروا والبنت الصغيرة بتضحك وتلعب في الجنينة.
وبينما هما في قمة الفرحة والراحة، تليفون فريدة الشخصي رن برقم غريب.. رقم دولي مـن بره مصر.
فريدة ردت باستغراب:
«ألو.. مين معايا؟»
جاء صوت راجل رصين ومخيف في نفس الوقت، نبرته هادية بس فيها تهديد مبطن:
«أهلاً فريدة هانم.. مبروك عليكي رجوعك بالسلامة، ومبروك عليكي طقم الذهب الأثري اللي لقتيه في الشاليه.. بس ياريت تفرحي بيه بسرعة، لإن الطقم ده وراه سر لو اتعرف، اسم عيلة السيوفي كله هيتـمحى من السوق في ثانية واحدة.. والصندوق الصفيح اللي فخر كان بيدور عليه؟ لسه معايا، والسر اللي جواه يخص جـدِك شخصيًا!»
فريدة الـتليفون كاد يقع من إيدها، ووشها اتخطف تمامًا، وبصت لأُنعام وهي مش قادرة تنطق بكلمة واحدة!
فـريـدة حـسّـت إن الـدّنـيـا لـفّـت بـيـهـا، والنّـفـس اتـكـتـم فـي صـدرهـا. الـصّـوت الـلّـي جـاي مـن التّـلـيـفـون كـان فـيـه نـبـرة ثـقـة تـرعـب، كـأنّ الـرّاجـل ده شـايـفـهـا وعـارف هـي واقـفـة فـيـن وبـتـفـكّـر فـي إيـه. بـصّـت لـأُنـعـام الـلّـي كـانـت واقـفـة مـتـرقّـبـة ومـخـضـوضـة مـن تـعـابـيـر وشّ فـريـدة، وبـعـديـن حـاولـت تـجـمّـع شـجـاعـتـهـا وقـالـت بـصـوت جـامـد مـفـيـهـوش رعـشـة:
«أنـت مـيـن؟ وبـتـتـكـلّـم عـن إيـه؟ عـيـلـة الـسّـيـوفـي اسـمـهـا هـزّ الـسّـوق مـن سـنـيـن، ومـفـيـش عـيِّـل زيّـك يـقـدر يـهـدّ الـلّـي بـنـيـنـاه!»
الـرّاجـل ضـحـك ضـحـكـة بـاردة، ضـحـكـة تـنـشّـف الـدّم فـي الـعـروق، وقـال:
«عـيِّـل؟ مـاشـي يـا فـريـدة هـانـم، هـفـوّتـهـالـك عـشـان قـلّـة الـمـعـرفـة. بـس جـدِّك الـلّـي صـورتـه مـتـعـلّـقـة فـي مـجـلـس إدارة الـشّـركـات، مـكـنـش مـجـرد راد عـمـال يـا حـبـيـبـتـي. الـطّـقـم الـدّّهـب ده مـش ضـايـع، ده كـان ثـمـن سـكـوت عـن جـريـ\مـة كـبـيـرة تـخـصّ شـراكـة قـديـمـة نـصـب فـيـهـا جـدِّك عـلـى صـاحـب عـمـره، والـصّـنـدوق الـصّـفـيـح الـلّـي مـعـايـا جـوّاه عـقـود الـشّـركـة الـأصـلـيـة الـلّـي مـتـسـجّـلـة بـالـحـبـر الـقـدّيـم.. يـعـنـي بـالـورق ده، نـصّ ثـروتـك دي مـش بـتـاعـتـك. وفـخـر الـغـبـي كـان فـاكـر إن الـصّـنـدوق جـوّه الـشّـالـيـه، مـعـرفـش إنِّـي سـاحـبـه مـن قـبـلـه بـسـاعـات.. لـو عـايـزة الـمـوضـوع ده يـتـلـمّ، هـتـقـابـلـيـنـي، لـوحـدِك، ومـعـاكِ الـطّـقـم الـدّّهـب!»
«أقـابـلـك فـيـن؟» الـسّـؤال طـلـع مـن فـريـدة بـتـلـقـائـيـة وسـرعـة، بـس الـخـطّ قـطـع فـجـأة مـن غـيـر مـا يـدّيـهـا إجـابـة.
فـريـدة نـزّلـت التّـلـيـفـون مـن عـلـى ودانـهـا وكـأنّـه حـتّـة جـمـرة نـار. الـمـكـان حـوالـيـهـا اتـهـزّ، لـغـة الـأرقـام الـلّـي كـانـت بـتـلـعـب بـيـهـا طـول عـمـرهـا اخـتـفـت، وبـقـى فـيـه لـغـة ثـانـيـة خـالـص مـش فـاهـمـاهـا، لـغـة الـأسرار الـمـدفـونـة تـحـت الـأرض.
أُنـعـام قـرّبـت مـنـهـا بـخـوف وقـالـت:
«فـي إيـه يـا فـريـدة هـانـم؟ وشّـك بـقـى لـونـه أصـفـر كـده لـيـه؟ يـا لـهـوي، يـكـونـش فـخـر بـعـت حـد تـانـي؟»
فـريـدة بـصّـت لـأُنـعـام، وحـسّـت إن الـسّـت دي بـالـرّغـم مـن طـيـبـتـهـا بـقـت جـزء مـن الـلّـعـبـة، وقـالـت لـهـا بـهـدوء مـصـطـنـع عـشـان مـتـخـوّفـهـاش:
«مـفـيـش حـاجـة يـا أُنـعـام.. مـشـكـلـة صـغـيـرة فـي الـشّـغـل بـرّه مـصـر. لـمّـي حـاجـتـك وحـاجـة الـبـنـت، حـازم زمـانـه جـاي يـاخـدكـم عـشـان تـروحـوا الـشّـقّـة الـجـديـدـة فـي الـإسـكـنـدريّـة، أنـا لـازم أتـحـرّك عـلـى الـقـاهـرة حـالـاً.»
فـي خـلال سـاعـة، كـان حـازم وصـل وأخـد أُنـعـام وبـنـتـهـا الـلّـي ودّعـت فـريـدة بـحـضـن كـبـيـر ودعـوة مـن قـلـبـهـا الصّـغـيـر. فـريـدة أخـدت عـربـيـتـهـا وبـقـت فـي طـريـقـهـا لـلـقـاهـرة، والـطّـقـم الـدّّهـب جـوّه شـنـطـتـهـا، وعـقـلـهـا عـمّـال يـطـحـن فـي مـكـالـمـة الـرّاجـل الـغـامـض.
بـمـجـرد مـا وصـلـت الـقـاهـرة، راحـت عـلـى طـول لـقـصـر الـعـيـلـة الـقـدّيـم الـلّـي فـي مـصـر الـجـديـدة، الـمـكـان الـلّـي عـاش فـيـه جـدّاهـا الـحـاج «عـاصـم الـسّـيـوفـي». دخـلـت الـمـكـتـبـة الـقـدّيـمـة الـلّـي مـحـدش بـيـدخـلـهـا، وبـدأت تـقـلِّـب فـي الـدّفـاتـر الـقـدّيـمـة، الـأوراق، الـصّـور الـلّـي كـان عـلـيـهـا تـراب الـسّـنـيـن. لـحـد مـا لـقـت صـورة لـجـدّاهـا ومـعـاه راجـل تـانـي مـلامـحـه فـيـهـا شـبـه مـن فـخـر! مـكـتـوب ورا الـصّـور بـخـطّ الـإيـد: «عـاصـم الـسّـيـوفـي ومـنـصـور الـغـربـاوي – شـراكـة الـعـمـر، 1974».
فـي اللّـحـظـة دي، تـلـيـفـونـهـا رن تـانـي مـن نـفـس الـرّقـم الـدّولـي.
ردّت بـسـرعـة: «أنـا فـي الـقـاهـرة.. أنـت مـيـن بـقـى؟»
الـصّـوت قـال بـخـبـث:
«أنـا إبـراهـيـم الـغـربـاوي، ابـن الـرّاجـل الـلّـي جـدِّك سـرقـه وهـدّ عـيـلـتـه. فـخـر يـبـقـى ابـن عـمِّـي، بـس فـخـر غـبـي وبـتـاع مـشـاكـل بـالـدّبـش، أنـا بـقـى عـايـش فـي لـنـدن وبـلـعـبـهـا بـالـعـقـل. الـصّـنـدوق الـصّـفـيـح الـلّـي جـوز أُنـعـام كـان مـخـبّـيـه، جـدّي كـان شـايـلـه أمـانـة عـنـده لـأنّـه كـان عـارف إن جـدِّك هـيـقـلـب عـلـيـه. هـتـقـابـلـيـنـي فـي الـمـكـان الـلّـي بـدأت فـيـه شـراكـتـهـم.. الـمـخـزن الـقـدّيـم فـي وكـالـة الـبـلـح، الـنّـهـاردة الـسّـاعـة تـلاتـة بـعـد نـصّ اللّـيـل. لـو حـد عـرف، الـورق ده هـيـكـون عـلـى مـكـاتـب الصِّـحـافـة والـنّـيـابـة الصّـبـح.»
فـريـدة حـسّـت إن الـحـبـل بـيـتـلـفّ حـوالـيـن رَقـبـتـهـا، بـس ذكـاء سـيِّـدة الـأعـمـال مـمـاتـش. كـلِّـمـت حـازم، ومـن غـيـر مـا تـقـول لـه التّـفـاصـيـل، طـلـبـت مـنـه يـجـيـب رجـالـة أَمـن ثـقـة وبـدون شـوشـرة ويـقـفـوا حـوالـيـن الـمـخـزن الـقـدّيـم فـي الـوكـالـة مـن غـيـر مـا حـد يـحـسّ بـيـهـم.
الـسّـاعـة جـت تـلاتـة بـعـد نـصّ اللّـيـل. الـجـوّ كـان كـحـل، والـوكـالـة الـلّـي بـتـكـون الـصّـبـح زي الـخـلـيّـة، كـانـت مـطـفـيّـة وتـخـوِّف. فـريـدة نـزلـت مـن عـربـيـتـهـا ومـشـيـت بـخـطـوات ثـابـتـة، شـادّة طـولـهـا، لـحـد مـا وصـلـت لـبـاب الـمـخـزن الـقـدّيـم الـلّـي كـان مـورّب وفـيـه نـور ضـعـيـف خـارج مـنـه.
دخـلـت، ولـقـت راجـل لـابـس بـدلـة شـيـك جـدًّا، قـاعـد عـلـى كـرسـي خـشـب قـدّيـم، وقـدّامـه عـلـى تـرابـيـزة مـصـدّيـة الـصّـنـدوق الـصّـفـيـح الـلّـي فـخـر كـان قـالـب الـدّنـيـا عـلـيـه.
إبـراهـيـم بـصّ لـهـا وابـتـسـم:
«مـتـأخّـرتـيـش.. بـرافـو عـلـيـكِ، جـبـتِ الـأَمـانـة مـعـاكِ؟»
فـريـدة طـلّـعـت الـعـلـبـة الـقـطـيـفـة وحـطّـتـهـا عـلـى التّـرابـيـزة وقـالـت:
«الـطّـقـم أهـو.. ورّيـنـي بـقـى الـورق الـلّـي مـعـاك، وخـلّـيـنـا نـنـهـي الـمـهـزلـة دي.»
إبـراهـيـم فـتـح الـصّـنـدوق الصّـفـيـح، وطـلّـع مـنـه ورق أصـفـر مـتـآكـل مـن الـزّمـن، وفـتـحـه قـدّامـهـا. فـريـدة بـصّـت لـلـورق، وبـدأت تـقـرأ الـبـنـود.. فـعـلـاً، كـان فـيـه شـراكـة وفـيـه نـسـب مـتـغـيّـرة بـعـقـود مـلـعـوب فـيـهـا، بـس عـيـن فـريـدة الـخـبـيـرة فـي الـقـانـون الـتِّـجـاري لـقـطـت حـاجـة إبـراهـيـم مـأخـدش بـالـه مـنـهـا مـن كـتـر جـشـعـه!
الـتّـوقـيـع الـلّـي عـلـى الـمـلـحـق الـلّـي بـيـلـغـي الـشّـراكـة مـمـضـي مـن مـنـصـور الـغـربـاوي نـفـسـه، ومـعـاه وصـل بـاسـتـلام جـمـيـع حـقـوقـه الـمـالـيـة بـالـكـامـل فـي الـتّـقـسـيـم الـقـدّيـم! يـعـنـي جـدّ فـريـدة مـظـلـمـش حـد، والـتّـسـويـة تـمّـت بـالـتّـراضـي، بـس الـظّـاهـر إن مـنـصـور الـغـربـاوي مـقـالـش لـأولاده وعـيـلـتـه عـلـى الـفـلـوس دي الـلّـي صـرفـهـا فـي ديـون ثـانـيـة، وسـاب الـصّـنـدوق ده كـنـوع مـن انـتـقـام نـفـسـي!
فـريـدة رفـعـت رأسـهـا، وبـصّـت لـإبـراهـيـم بـنـظـرة كـلّـهـا سـخـريـة وقـالـت:
«أنـت جـاي تـبـتـزّنـي بـورق فـاضـي يـا إبـراهـيـم؟ أنـت قـريـت الـمـلـحـق ده كـويّـس؟ جـدّك مـسـتـلـم حـقّـه نـقـدًا وفـيـه تـوقـيـعـه الـلّـي مـتـصـدّق عـلـيـه فـي الـشّـهـر الـعـقـاري زمـانـه! الـورق ده يـبـلّـه أي مـحـامـي ويـشـرب مـيِّـتـه.. أنـت مـعـاكـش حـاجـة تـهـدّ الـسّـيـوفـي.. أنـت مـعـاك جـهـل بـالـقـانـون!»
إبـراهـيـم وشّـه اتـخـطـف، ومـسـك الـورق بـإيـد بـتـتـرعـش يـقـرأه بـتـركـيـز، ولـمّـا اكـتـشـف إن كـلام فـريـدة صـحّ، عـيـنـيـه مـلـت شـرّ، وقـام وزعّـق:
«حـتّـى لـو الـورق ده كـده.. أنـتِ مـش هـتـخـرجـي مـن هـنـا بـالـطّـقـم الـدّّهـب، والـورق ده هـعـرف الـعـب بـيـه فـي الـمـيـديـا وألـوّث اسـمـكـم بـرضـه!»
فـريـدة ضـغـطـت عـلـى زرّار فـي تـلـيـفـونـهـا، وفـي ثـانـيـة كـان بـاب الـمـخـزن مـفـتـوح ودخـل حـازم ومـعـاه رجـالـة الـأَمـن.
فـريـدة بـصّـت لـإبـراهـيـم وقـالـت:
«الـلّـعـبـة خـلـصـت يـا إبـراهـيـم.. الـورق ده والـصّـنـدوق حـازم هـيـأخـدهـم، والـطّـقـم الـدّّهـب هـيـرجـع مـكـانـه.. وأنـت تـلـمّ نـفـسـك وتـرجـع لـنـدن، لـأن لـو شـوفـت خـيـالـك جـنـب عـيـلـتـي أو جـنـب أُنـعـام وبـنـتـهـا تـانـي، هـكـون دافـنـاك بـالـقـانـون وبـنـفـوذ الـسّـيـوفـي الـلّـي كـنـت عـايـز تـهـدّه.»
إبـراهـيـم لـقـى نـفـسـه مـحـاصـر، ومـفـيـش قـدّامـه غـيـر إنّـه يـنـسـحـب بـخـسـارة ويـلـمّ الـلّـي فـاضـل مـن كـرامـتـه.
بـعـد الـلّـيـلـة الـطّـويـلـة دي، الـشّـمـس طـلـعـت عـلـى الـقـاهـرة. فـريـدة كـانـت قـاعـدة فـي مـكـتـبـهـا الـكـبـيـر، بـتـبـص لـلـطّـقـم الـدّّهـب الـلّـي مـحـطـوط قـدّامـهـا، وحـسّـت بـنـقـاء جـوا عـقـلـهـا مـكـنـتـش حـسّـاه مـن سـنـيـن. الـأرقـام والـصّـفـقـات مـبـقـتـش هـي الـمـحـرّك الـوحـيـد لـحـيـاتـهـا، الـمـواقـف والـأصـالـة والـخـيـر هـمّ الـلّـي بـيـبـنـوا الـإسـان فـعـلـاً.
عـدّت الـأيّـام، وأُنـعـام اسـتـلـمـت شـغـلـهـا فـي الـإسـكـنـدريّـة. بـقـت مـسـؤولـة تـورّيـدات مـشـهـود لـهـا بـالـأمـانـة والـنّـظـافـة، والـمـصـنـع الـجـديـد بـقـى شـغّـال زي الـألـف بـفـضـل عـيـنـهـا الـلّـي مـبـتـنـامـش عـلـى حـقّ الـشّـركـة. الـبـنـت الصّـغـيـرة دخـلـت أحـسـن مـدراس فـي الـإسـكـنـدريّـة، والـضّـحـكـة مـبـقـتـش تـفـارق وشّـهـا.
وفـي يـوم، فـريـدة راحـت الـشּـالـيـه بـتـاع الـعـجـمـي، الـمـكـان الـلّـي جـمـعـهـم الـقـدَر فـيـه. كـانـت أُنـعـام عـامـلـة عـزومـة عـائـلـيـة صـغـيـرة تـحـتـفـل بـيـهـا بـنـجـاح أول سـنـة شـغـل. وقـفـوا كـلّـهـم يـبـصّـوا لـلـبـحـر والـمـوج بـيـخـبـط فـي الـصّـخـر، وفـريـدة حـطّـت إيـدهـا عـلـى كـتـف أُنـعـام وقـالـت:
«عـارفـة يـا أُنـعـام.. يـوم مـا إدّيـتِـك الـمـفـاتـيـح فـي الـمـطـار، كـنـت فـاكـرة إنّـي بـسـاعـد سـتّ غـلـبـانـة.. مـكـنـتـش أَعـرف إنّـي بـسـاعـد نـفـسـي، وإن ربّـنـا بـعـتـك عـشـان تـحـمـي تـاريـخ عـيـلـتـي وتـرجّـعـي لـي روحـي الـلّـي ضـاعـت فـي مـفـرمـة الـشّـغـل.»
أُنـعـام ابـتـسـمـت والـدّّمـوع فـي عـيـنـيـهـا وقـالـت:
«الـخـيـر بـيـلـفّ ويـرجـع لـصـاحـبـه يـا فـريـدة هـانـم.. والـلّـي يـزرع نـيّـة صـافـيـة، مـحـصـولـه دايـمًـا بـيـكـون جـبـر خـاطـر كـبـيـر مـن عـنـد ربّ الـعـالـمـيـن.»
وقـفـوا كـلّـهـم والـفـرحـة مـالـيـة الـقـلـوب، والـسّـت الـلّـي كـانـت بـتـتـكـتـك مـن الـبـرد فـي طـوبـة بـقـى عـنـدّهـا الـدّفـا والـأمـان، وبـقـت الـقـصّـة دي درس لـكـلّ حـد يـفـكّـر إنّ الـمـعـروف بـيـضـيـع، أو إنّ الـأمـانـة مـلـهـاش تـمـن فـي زمـنّـا ده.