اخويا عنده متلازمة داون – زهرة الربيع

حضنت أخويا بقوة، وبست راسه.

وقلت له:

“سامحني يا نصر… أنت اللي علمتني أن أنضف مكان في الدنيا، هو القلب قبل البيت.”

ومن يومها، كل ما حد يمدح نظافة بيتي، أبتسم وأفتكر إن أجمل ريحة في أي بيت… هي ريحة المودة والرحمة بين أهله.

بعد الموقف ده، بقيت كل أسبوع أروح آخذ نصر من عند أمي وأخرجه معايا.

كان يفرح أوي لما يشوفني، ويجري يحضني

كأني غبت عنه سنين، رغم إني كنت لسه شايفه من كام يوم.
وفي مرة، وإحنا ماشيين في الشارع، عدينا على محل عطور كبير.

صاحب المحل رش عينة برفان في الهوا، وكل الناس قالت: “الله… ريحته تجنن.”

أما نصر، فكشر وشه وسحبني من إيدي وقال: “يلا يا نعيم… الريحة وحشة.”

ضحكت وقلت له: “حتى البرفان وحش؟”

هز راسه وقال: “الراجل ده زعلان.”

استغربت، لكن مكملتش كلام.

بعد يومين، قابلت صاحب المحل بالصدفة، ولقيته بيحكي لأحد أصحابه إن ابنه عامل حادثة كبيرة، وإنه بقاله أسبوعين مش عارف ينام من القلق عليه.

وقفت مكاني وأنا فاكر كلام نصر.

يمكن كانت مجرد مصادفة…

لكن المصادفات بقت كتير.

بقيت ألاحظ إنه لما يدخل مكان فيه توتر أو ظلم أو خناق، يتضايق بسرعة، ولما يدخل بيت فيه

راحة ومحبة، وشه ينور ويضحك من غير سبب.
ومع الوقت، بطلت أدور على تفسير.

لأن مهما كان السبب، الحاجة الوحيدة اللي فهمتها إن أخويا كان صادق في إحساسه.

أما أنا…

فكل مرة كنت أبص له، كنت أفتكر اليوم اللي كسرت خاطره فيه.

وفي يوم عيد ميلاده، جمعت العيلة كلها.

وقبل ما نقطع التورتة، وقفت قدامهم وقلت:

“أنا عايز أعتذر قدامكم كلكم. أكتر إنسان ظلمني في حياتي… كان أخويا نصر. وأنا اللي ظلمته. افتكرت إنه بيتعبنا، لكن الحقيقة إنه كان بينبهني لحاجة أنا ما كنتش شايفها.”

قمت حضنته.

ونصر حضني هو كمان، وربت على ضهري وقال بابتسامته البريئة:

“خلاص يا نعيم… أنا بحبك.”

ساعتها، مقدرتش أمنع دموعي.

لأن التسامح الحقيقي… اتعلمته من أخويا الصغير. وليس لأنه كان مختلفًا

عن الجميع، بل لأنه كان يحمل قلبًا لا يعرف الكراهية، ولا يحتفظ بالإساءة، ويغفر بمجرد أن يشعر بالحب.

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *