طبيخ سلفتي – زهرة الربيع

وشي ولا تقصدي ! اسمعي كويس… أنا معنديش حد هيعزل هنا ولا ياكل لوحده! كله هياكل ويشرب مع بعضه هنا وسلفتك دي ست بيت شاطرة وبتخلص نفسها ومابتضيعش وقت، مش زيك تاخدي في الحاجة سنة … ولو مش عاجبك أكل سلفتك وعمايل إيدها… متاكليش يا ختي! محدش تحايل عليكي تاكلي!
دموعي اتجمعت في عيني، وكنت هبكي من القهر. هو أنا بس اللي اتجننت في البيت ده؟ هو أنا بس اللي شايف إن اللي بيحصل ده قرف وميرضيش ربنا ولا يتقبله بني آدم؟ معقول الكل مش هامه؟
ساعتها، حافظت على هدوئيوقولتلها بصوت هادي جداً تحت أمرك يا حماتي، اللي تشوفيه.
سيبتها ودخلت المطبخ …
لقيت إيمان واقفة قدام البوتاجاز بتعمل الصلصة. وبكل قرف، ألاقيها غطست صباعها جوة الحلة المغلي فيها الصلصة عشان تدوقها، وبعدين لحست صباعها ورجعت تحطه في الحلة تاني عشان تدوق ملحها!
وبنتها الصغيرة واقفة على كرسي جنبها، عمالة تكبش بإيدها الوسخة من حلة الرز وتأكل نفسها، وشعرها منكوش وهدومها مبقعة، وإيمان بتزعقلها ببرود الرز سخن على إيديكي يا بت الهبلة يا بنت الهبلة!
المنظر كان يقلب البطن، بس المرة دي أنا مأقرفتش… المرة دي أنا ابتسمت.
ابتسمت ابتسامة هادية جداً، وقربت منها بخطوات واثقة، وقولتلها بصوت ناعم ومختلف تماماً عن كل مرة
تسلم إيدك يا إيمان… بصراحة، الكل تحت بيحب أكلك ممكن تعلميني بقى سرك في الطبخ؟ عشان أطلع شاطرة وبخلص بسرعة زيك؟
إيمان بصتلي من فوق لتحت وابتسمت بغرور وقالتلي أيوه كده! اتعدلي معايا ، وأنا أعلمك وأظبطك وأخليكي ست بيت على أصوله!
قربت منها اكتر واللي عملته وقتها… قلب الموازين كلها في البيت ده، وعرفت إزاي أحط حد للقرف ده للأبد!
سحبت التليفون الذكي بتاعي من جيبي بمنتهى الهدوء، وفتحت كاميرا الفيديو على أعلى جودة، وقربت منها والابتسامة مالية وشي، وقولتلها بصوت ناعم كله مسكنة بقولك إيه يا إيمان يا حبيبتي.. أنا بصراحة خايفة أنسى خطوة من حركاتك وتكاتك الجبارة دي، فأنا هصورك بالموبايل من أول ما تبدأي لحد ما تخلصي كل الأكل، عشان أرفع الفيديو عندي وأفضل أفرجه لنفسي وأسمعه كل ما أجي أطبخ لحد ما أتعلم الأصول صح.
إيمان بصلتي بنظرة انشراح وغرور، ونفخت صدرها لفوق وقالتلي وهي بتضحك بتبجح أيوة كده يا نور! يفوتك نصف عمرك لو ما اتعلمتيش مني، أصل الطبيخ ده نفس وحركات ومش أي حد يفهم فيه! صوري يا اختي صوري.. اتعلمي عشان تبيضي وشك قدام جوزك بدل ما أنتي خايبة كده.
وبدأت العرض المأساوي! وأنا واقفه ماسكة الموبايل، مثبتة الكاميرا عليها وعلى إيديها بالظبط، موثقة كل كادر بزاوية قريبة جداً وبوضوح يوجع البطن.
بدأت تعمل أكل عزومة طابخينها للرجالة؛ حماتي وجوزي وجوزها أخو جوزي. بدأت باللحمة.. جابت حلة المية على النار، وبدل ما تغسل اللحمة أو حتى تشطفها من الدم والزفر، مسكت اللحمة بإيديها اللي كان فيها بقع جير ووساخة، ورمتها زي ما هي في المية المغلية! ولما الريم الأبيض والزفر طلع على وش الحلة، بدل ما تشيله بالمغرفة وتكبسه، جابت معلقة وطيرت شوية منه على الأرض، والباقي قلبت بيه الشوربة جوة الحلة وقالتلي بفتخر الشوربة دي هي اللي بتدي الطعم والبهاريز، اللي يشيل الريم ده مبيفهمش حاجة في الطعم!
العدسة شغالة وتسجل.. دخلت بعدها على الرز، جابت الشكارة، غرفت منها الرز وحطته في الحلة على طول من غير ما تنقيه ولا تغسله! وقفت المية على الرز وهي بتقول الرز البلدي ده لو اتغسل نشاه يروح، والطعم يضيع! وهي بتتكلم، بنتها الصغيرة اللي أيديها مليانة طين من الشارع جرت عليها، مسكت جلابية إيمان، قامت إيمان ماسكة البت ومسحت مخاط مناخير البت بجلابيتها، وبعدين بحركة تلقائية ومقرفة، حطت إيدها هي هي جوة طبق السمنة البلدي، وأخدت كبشة سمنة بصباعها ودعكت بيها وش الرز وهو بيتشرّب!
أنا من ورا الكاميرا معدتي كانت بتموت وبتتقلب، بس كنت كاتمة نفسي ومكمله تصوير بتركيز.
جت عند السلطة، ودي كانت المأساة الكبرى! جابت خيار وطماطم من القفص بالتراب بتاعهم، ومسكت السكينة وبدأت تقطع على طول فوق طبق السلطة. الطماطماية كان فيها جزء معفن وضاارب، مسكت السكينة وشالت الحتة العفنة بسطحية، والحيّز اللي جنبه كان دايب، قطعتها وحطتها في الطبق عادي! ولما جت تقلب السلطة، ما استعملتش معلقة.. حطت إيديها الاثنين جوة طبق السلطة الكبير، وعصرت الليمون بين صوابعها اللي أظافرها تحتها خطوط سودة من الطين والوساخة، وقلبت السلطة بكفيها بمهارة مقززة وهي بتقول إيد الست في الأكل بركة يا نور.. البركة كلها في اللمسة دي!
أنا طبعاً سجلت كل ثانية.. الكاميرا لقطت أظافرها المقرفة، والمخاط، والطين، والطماطم العفنة، والسمنة اللي اتدعكت بالإيد الزفرة. فيديوهات واضحة وبدقة عالية جداً لا تقبل الشك!
خلصت إيمان العك ده كله، والأكل ريحته طالعة تفوح بهارات وشكل الصحون من فوق يخدع أي حد مشافش البلاوي دي. نزلت السفرة للرجالة تحت، وحماتي قعدت على رأس الترابيزة، وجوز إيمان الشرقاوي قعد، وجوزي أحمد قعد، وإيمان نازلة ترص الصحون بكل فخر وتتباهى قدامهم أكل يرم العظم! عملتلكوا شوية شوربة وشوية فطير وسلطة يفتحوا النفس المنسدة!
الرجالة سموا الله ومدوا إيديهم، وجوزي مسك معلقة الشوربة ولسه هيحطها في بؤه..
في اللحظة دي بالظبط، كنت أنا

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *