مأساة المستشفى ١ – حكايات زهرة
لمحة نيوز
البنت برقت عينيها وقالت بصدمة: “هو يضايق من وجودي؟! ده بيت ابويا! هو قاعد فيه ليه أصلاً؟!”
وفجأة، الباب اتفتح وخرج جمال على الكلمتين دول.. كان سامع كل حاجة. وشُه كان أحمر من الغضب وقالي بعصبية: “أنا مش صغير عشان اتهان كدة! من النهاردة أنا هسيب الشقة وأمشي، اقعدي مع بنتك خليها تنفعك!”
انا اتبرجلت لما قال هيسيبني.. مسكت في إيده وقلت برجاء : “لا يا جمال! عشان خاطري لا.. دي عيلة ومتقصدش، أنت عارف إني مستغناش عنك ولا أقدر أعيش من غيرك!”
بنتي قالت بغضب وهي بتبص لجمال: “لا والله؟! وأنت لما راجل كدة وقوي، قاعد هنا من الأساس ليه؟ مشوفتلهاش شقة ليه وجاي تعيش في ملك غيرك؟!”
جمال اتجنن، هجم عليها وهو بيصرخ: “اخرسي يا بت! أنا أرجل منك ومن أبوكي!”
البنت بقيت تزعق فيه وما سكتتش، وتقوله متجبش سيرة ابويا على لسانك
وأنا وقفت في النص بينهم، عمالة أزق فيه وأتحايل عليه، وهو عايز يوصل لها يضربها ومش طايلها بسببي.. الصوت كان علّي، والبيت اتكركب
في وسط الهيصة دي كلها، كانت بنتها الصغيرة، واقفة في النص بين رجلين الكبار، بتبكي بحرقة ومش فاهمة إيه اللي بيحصل حواليها.. من شدة العصبية والعمى اللي كان فيه جمال، رفص البنت برجله في وسط الزعيق عشان يزيحها من طريقه، وهو بيصرخ في بنتي: “خدي بنتك وغوري من وشي!”
الدفعة كانت قوية وجاهلة.. البنت طارت واتخبطت دماغها في حرف الحيطة الرخام!
صوت الخبطة بيرن في ودني لحد النهاردة.. البنت صرخت صرخة مكتومة، ووقعت على الأرض، والدم بدأ يسيل منها.
سكتنا كلنا فجأة. وجمال فاق من العصبية، وقف مصدوم ووشه اصفر، مكانش قاصد طبعًا إنه يؤذي الطفلة.. وبنتي صرخت صرخة تخض، وجريت على بنتها وشالتها بين إيديها وهي بتبكي وتدعي على جمال.
أخدناها وجرينا على المستشفى زي المجانين، والدموع مغرقة وشوشنا كل همنا نلحقها..
بس كل اللي فات ده كوم، واللي حصل في المستشفى كوم تاني خالص .. مصيبة خلتني أتمنى لو كنت مت قبل اليوم ده وما شفتش اللي شفته هناك واللي طلبه جوزي مني العن بكتير!!!!
وصلنا المستشفى والدموع مغرقة وشوشنا، الأرض كانت بتلف بيا والدنيا بتظلم في عيني. الدكاترة اتلموا حوالين الطفلة وأخدوها جري على أوضة الطوارئ، وأنا وبنتي وجمال واقفين برة، ضربات قلوبنا زي الطبول، وكل ثانية بتمر كأنها سنة كاملة. بنتي كانت ماسكة في حديد السرير والدم مغرق هدومها، بتصرخ وتدعي، وأنا واقفة مش قادرة أقف على رجلي.. مرعوبة على حفيدتي، وفي نفس الوقت مرعوبة من اللي جاي.
بعد دقائق كانت أطول من العمر كله، خرج الدكتور ووشه يقطع الخلف. بصلنا بأسف وهز رأسه بقلة حيلة وقال بصوت واطي: “شدوا حيلكم.. الخبطة كانت قوية جداً وحصل نزيف حاد في المخ.. البقاء لله.”
الكلمة نزل عليا زي الصاعقة، حسيت إن الروح بتتسحب مني. بنتي صرخت صرخة شقت السقف، صرخة ألم وعجز، وانهارت على الأرض ودخلت في حالة هستيريا. الدكاترة حاولوا يمسكوها، بس هي زقتهم كلهم وجريت دخلت الأوضة اللي فيها بنتها، مسكتها بين إيديها وحضنتها بقوة وهزت جسمها الصغير وهي بتبكي بدموع تحرق الحجر: “قومي يا جودي.. قومي يا قلب أمك.. متسبنيش يا ناهد، قومي يا حبيبتي عشان خاطري!”
في اللحظة دي، لقيته بيتسحب وبيشدني من دراعي على جنب. وشه كان أصفر زي الميت، وعرقان، وصوته بيترعش من الخوف. ناداني بصوت واطي ومخنوع وقال لي: “يا حبيبتي.. أنتِ أكيد عارفة إن مش قصدي.. أنا كنت بعصبية، وربنا يعلم إني ما أردتش أؤذيها! دلوقتي المستشفى أكيد هتبلغ البوليس والظابط يجي، وأنا كدة مستقبلي يضيع وأروح في داهية.. خلي بنتك تقول إنها عيلة ووقعت وهي بتلعب! ماشي يا حبيبتي؟ قولي لها تقر بكدة عشان تحميني!”
أنا كنت مصدومة.. دماغي مش قادرة تستوعب حجم الكارثة، ولا الخوف اللي تملك مني. كنت حزينة ومكسورة على حفيدتي اللي راحت في لحظة طيش، بس في نفس الوقت… العمي والضعف خادوني، وما كنتش عايزة أخسر جمال، الراجل اللي حسيت معاه إن ليَّ قيمة ووجود بعد سنين وحدة. بصلت له بعيون زايغة، وجسمي بيترعش، وهزيت رأسي بالموافقة من غير ما أنطق كلمة.
مشيت بخطوات تقيلة ومترددة لداخل الأوضة. بنتي كانت لسة منهارة، حاطة وشها في صدر بنتها المتوفية وبتبكي بحرقة تكسر القلب. قربت منها بتوتر شديد، وحطيت إيدي على كتفها وقلت لها بصوت مخنوق وبيترعش: “اهدي يا قلبي.. اهدي يا ناهد عشان خاطر ربنا، البكاء مش هيرجعها..”
ناهد رفعت رأسها ببطء، وبصت لي بحدة وعيون حمرا زي النار.. نظرة كأنها بسكينة بتدبحني في صدري، نظرة كانت بتقول لي فيها بكل وضوح: “أنتِ السبب.. أنتِ اللي جبتيه البيت، وأنتِ اللي بعتيني عشان خايفة تضيعيه من إيدك.”
أنا ارتبكت جداً من نظرتها، وما استحملتش الشك اللي في عينيها، فرديت بقلة حيلة وأسلوب اندفاعي يحمي موقفي وموقف جمال: “أنا ذنبي إيه بس يا ناهد؟! اللي حصل ده قدر ومكتوب! ياريت تكبري عقلك وتفكري في اللي جاي.. لما يجي الظابط، قولي له إنها كانت بتلعب ووقعت على حرف الحيطة.. محدش قاصد يقتلها يا بنتي!”