خطبة ابني ٢ – حكايات زهرة

لمحة نيوز

​خرج كارم يجر رجليه في الشوارع، الضباب مغمي عينيه، والندم بيطحنه. وبدأ يتردد على المنطقة بالليل من بعيد، يقف في مدار الشارع يراقب بيت عمو سالم.
​في ليلة من الليالي، شاف محمد نازل من العمارة وماسك في إيده شنط أكل وهدايا، وعلياء نازلة جنبه لابسة فستان واسع رقيق، ووشها منور بضحكة دافية صافية عممر كارم ما شافها على وشها وهو معاها. شاف محمد وهو بيفتح لها باب العربية بحب واهتمام، وبيعدل لها طرحتها بحنية راجل بجد بيعشق مراته ويصونها.
​كارم كان واقف ورا شجرة في الضلمة، الدموع نازلة من عينيه مغرقة وشه. كان حاسس إنه واقف في جهنم وبيبتفرج على الجنة اللي ضيعها بإيديه.
​ثاني يوم بالليل، فتحت باب مكتبي لقيته واقف على الباب. شكله كان يصعب على الكافر… وشه ذبلان، هدومه دبلانة، عينيه طافية تماماً وفيها انكسار وذل مالوش حدود.
​وقف وقالى بصوت مبحوح ومكسور:
​بابا… أرجوك متطردنيش. أنا مش جاي أطلب فلوس ولا جاي أقولك رجعني الشركة… أنا جاي أقولك إنك كان عندك حق في كل كلمة. أنا اتعلمت الدرس، والدرس كان قاسي أوي يا بابا.
​أنا قمت من على الكرسي وبصيت له بجمود وقلت:
​عرفت قيمة النعمة لما زالت من إيدك يا كارم؟
​نزل على ركبه وبكى بحرقة شديدة:
​عرفت إن اللي يبيع أصله مالوش أصل، واللي يكسر كلمة أبوه ربنا بيذله… أنا خسرت كل حاجة، خسرت نورهان اللي كانت شايفاني مجرد قرشين، وخسرت علياء اللي كانت شايفاني راجلها، وخسرت احترامك ليّا وده أكتر حاجة كاسراني. أنا مستعد أروح لعمي وأبوس رجله ورأس علياء، ومستعد أشتغل مساح جزم تحت رجلك، بس متحرمنيش من رضاك!
​أنا قلبي كأب يتقطع عليه، بس الكسرة اللي عملها فينا مكانتش سهلة. قربت منه، مسكته من كتفه وقومته بصعوبة، وقلت له بصوت حازم وثابت:
​الاعتذار مش هيصلح اللي انكسر يا كارم… عمك علياء ربنا عوضها براجل بجد يصونها، وهي دلوقتي طيرة في عشها ومبقتش من حقك ولا ينفع تجيب سيرتها على لسانك تاني خالص. وأنا مش هسيبك لشارع يا ابن قلبي، بس الرجوع مش هيكون لسابق عهده.
​كارم مسح دموعه وقال: “أي حاجة تقولها يا بابا، أنا تحت رجلك.”
​كملت كلامي:
​هتسافر فرع الشركة اللي في الصعيد، هتشتغل هناك من الصفر زي أي عامل في مخزن، بمرتب بسيط يكفيك أكلك وشربك وشقتك. هتتعب وتعرف القرش بيجي إزاي، وتعرف قيمة الكلمة والوعد. لما ألاقيك بقيت راجل بجد وبيعتمد عليك، ساعتها بس هفكر أفتح لك بيتي تاني.
​هز رأسه بسرعة وقال: “موافق يا بابا… والله موافق وألف حمد وشكر ليك.”
​ومرت الأيام، وجيه يوم الفرح الكبير لـ علياء ومحمد.
كانت ليلة من أجمل ليالي العمر، القاعة كانت منورة بأهل المنطقة والقرايب والحبايب. علياء كانت طالعة زي الملكة بالفستان الأبيض، والضحكة مش مفارقة وشها، ومحمد ماسك إيدها كأنه ماسك أغلى ثروة في العالم وبيطير بيها بين المعازيم.
​أخويا سالم كان واقف وسط القاعة، شكله يصغر عشر سنين من كثر الفرحة والراحة، والدموع في عينيه دموع فرح وأمان على بنته. أنا وقفت جنبه، حطيت إيدي في إيده وضغطت عليها بقوة، فبص لي وابتسم ابتسامة صافية وقالي:
​ربنا بيعمل الصالح دايماً يا محمود… كنا فاكرين إننا بنختار لعيالنا، بس ربنا كان شايل لعلياء الأفضل والأبر بقلبها.
​رديت عليه وأنا ببتسم وبمسح دموعي:
​الحمد لله يا سالم… الحمد لله إن ربنا كشف القلوب وعوض البنت باللي يريح بالها ويصونها ويشيلها في عينيه.
​ومن بعيد… عند باب القاعة الخارجي، كان واقف كارم.
كان واقف في الضلمة بعيد عن عينين المعازيم، بيبص على الحفلة بدموع ونظرة ندم وألم عميق. شاف علياء وهي بتمسك إيد محمد وبتضحك من قلبها، وشاف أبوه وعمه واقفين كتف بكتف زي زمان بعد ما الجرح التأم.
​عرف كارم وقتها إن القرارات الطائشة والغرور بيكلفوا البني آدم عمره كله، وأن الأصول والرجولة مش كلام بيتقال، دي أفعال وهيبة وتضحية.
​لف كارم وشى ومشي في الضلمة بخطوات هادية وهو بيدعي لعلياء بالتدبيس والسعادة من أعماق قلبه، بعد ما اتعلم الدرس القاسي اللي غير حياته للأبد… إن العيلة والكرامة والأصل هما الثروة الحقيقية اللي لو ضاعت، ما فيش فلوس ولا كلام فاضي يقدر يعوضها ولا يرجعها تاني.

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *