انقلبت عائلتها عليها

الجزء الثاني

الساعة كانت تقترب من الخامسة صباحًا.

ليلى لم تتحرك من مكانها منذ أن خرجوا. لكن داخلها… شيء مختلف كان يتكوّن. لم يكن غضبًا فقط، ولا حزنًا، بل هدوءًا مخيفًا يشبه ما قبل العاصفة.

نهضت ببطء.

نظرت إلى بقايا الفساتين على الأرض، ثم إلى المرآة. وجهها لم يكن وجه فتاة مكسورة… بل وجه شخص قرر أن شيئًا انتهى تمامًا.

فتحت درجًا صغيرًا في غرفتها.

أخرجت منه صندوقًا أسود لم تلمسه منذ سنوات.

في داخله كان هناك شيء واحد: شارة عسكرية قديمة، وصورة لها وهي تقف بجانب طائرة في أول مهمة لها.

وضعت الصورة على الطاولة، وحدقت فيها لحظة طويلة.

ثم قالت بصوت منخفض: “أنا مش هنهار.”

في الخارج، كانت العائلة تتصرف وكأن شيئًا لم يحدث. صوت التلفاز، ضحكات خافتة، وكأن تدمير ليلة كاملة كان مجرد تفصيلة عابرة.

لكن ليلى خرجت من غرفتها بهدوء.

مرّت بجانبهم دون كلمة.

حسن رفع عينه من الجريدة: “رايحة فين على الصبح؟”

لم ترد.

فاطمة نظرت لها باستغراب: “لسه هتزعلي؟ الموضوع خلص.”

أما كريم فضحك: “أكيد هتدور على فستان مستعمل.”

توقفت ليلى عند الباب.

ثم قالت لأول مرة بصوت واضح وبارد: “الليلة دي مش هتتنسى… بس مش بالشكل اللي فاكرينه.”

وخرجت.

ركبت سيارتها القديمة، وانطلقت نحو مكان لم يزره أحد منهم منذ سنوات: قاعدة الطيران.

في القاعدة الجوية، كان الضباب لا يزال يغطي الأرض.

أول ما دخلت ليلى، تغيّر كل شيء في طريقة المشي حولها. الجنود وقفوا باستقامة، ونظراتهم فيها احترام صامت.

أحد الضباط اقترب: “قائدة ليلى؟ حضرتك هنا بدري كده ليه؟”

رفعت عينيها وقالت: “عايزة طيارة.”

الضابط تردد: “في مهمة تدريب بعد ساعتين…”

قاطعتُه: “مش تدريب.”

صمت لحظة، ثم فهم من نبرة صوتها أن الأمر مختلف.

“حاضر يا فندم.”

في نفس الوقت داخل بيت العائلة…

كان حسن يشرب قهوته وكأن اليوم عادي.

فجأة رن هاتفه.

الصوت من الطرف الآخر كان رسميًا: “حضرتك والد القائدة ليلى عبد الرحمن؟”

“أيوه… في حاجة؟”

صمت قصير.

ثم جاءت الجملة التي غيرت ملامح وجهه تمامًا:

“ابنتك تم استدعاؤها لمهمة طارئة… واسمها الآن ضمن طاقم تحليق خاص تابع للقوات الجوية.”

كوب القهوة وقع من يده.

“مهمة إيه؟! هي النهارده فرحها!”

لكن الصوت الآخر كان قد انتهى.

انقطع الخط.

وبقي حسن واقفًا… لأول مرة لا يعرف ماذا يقول.

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *