كان قد حكم عليه بالسجن

لم يرفع أحمد صوته…

لكن الشيء الذي كان في يده كان يرتجف، وكأنه يعرف أن هذه اللحظة قد تقسم حياة كاملة إلى نصفين لا يمكن جمعهما أبدًا.

كان جهازًا صغيرًا أسود اللون…

بحجم ظفر تقريبًا، وفيه جزء معدني يعكس ضوء المحكمة البارد… وكأنه يخفي داخله سرًا أثقل من أن يُحمل.

لم يفهم أحد.

…إلا محمود الجارحي.

اختفى اللون من وجهه خلال ثوانٍ، وكأن الدم هرب منه ليختبئ من ماضٍ عاد فجأة… دون استئذان.

تمتم بصوت ضعيف:

“ده… مستحيل…”

لكن صوته لم يكن يحمل أي قوة.

رفع أحمد الجهاز أكثر.

وقال ببطء:

“ابني اتولد من سبع أيام… وفي نفس اليوم… كان في حد بيحاول يمحي كل دليل على اللي حصل بجد.”

عقد القاضي حاجبيه.

تأهب الحراس.

أما سارة… فتوقفت دموعها للحظة، وكأن أملًا خطيرًا بدأ يولد مكان اليأس.

تابع أحمد:

“الجهاز ده… كان مخبي في العربية اللي كنت سايقها ليلة الجـ,ـريمة.

أنا ما شفتوش… لأن في حد اتأكد إني ما أشوفوش.”

تراجع محمود خطوة للخلف.

خطوة واحدة فقط…

لكنها كانت كافية لتكشف خوفه.

صرخ أحد المحامين:

“اعتراض!”

لكن صوته بدا ضعيفًا… كأنه يحاول سد شق بدأ يتسع أكثر من اللازم.

أكمل أحمد، وهو ينظر مباشرة إلى محمود:

“أنا كنت بشتغل عندك…

بسوق عربياتك… بحضر اجتماعاتك… بسمع حاجات ما كانش المفروض أسمعها… واتعلمت أسكت.”

سكت لحظة…

ونظر إلى طفله.

كان الطفل يتنفس بهدوء…

غير مدرك أن مستقبله كله يتحدد الآن.

قال أحمد بصوت منخفض:

“بس الليلة دي… ما كنتش أنا اللي قرر يبطل سكوت.”

انحنى القاضي للأمام:

“وضح كلامك.”

أغمض أحمد عينيه لثانية…

ثانية بدت وكأنها تحمل عمرًا كاملًا…

إما سيخسره… أو يستعيده.

ثم قال:

“كامل الدسوقي… ما اتقـ,ـتلش بإيدي.

هو مات لأنه اكتشف حاجة ما كانش المفروض يعرفها… وقرر يسجلها.”

بدأ الهمس ينتشر في القاعة.

وأضاف:

“سجل محمود الجارحي… وهو بيدي أوامر بالتخلص منه.”

صمت.

ثقيل…

لا رجعة فيه.

هز محمود رأسه بسرعة:

“كذب! تسجيل مفبرك! الراجل ده بيحاول ينقذ نفسه!”

لكن يديه كانتا ترتجفان.

ضغط أحمد على الجهاز بين أصابعه.

وقال:

“أنا لقيت ده امبارح…

بس لقيت حاجة تانية كمان.”

تقدمت سارة خطوة دون أن تشعر.

أكمل أحمد:

“في التسجيل ده… مش بس صوت محمود…

في كمان صوت حد تاني.”

بدأ قلب سارة ينبض بسرعة…

أسرع من اللازم.

قال أحمد ببطء:

“حد… ساعد إن كل ده يحصل.”

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *