استعادت بصرها وفقدت ثقتها
الجزء الأول: حين عاد الضوء
لم أرَ الضوء منذ سنتين، وثلاثة أشهر، وسبعة عشر يومًا.
وحين أزال الدكتور بليغ آخر رباط عن عينيّ في مستشفى الشفاء، لم أبكِ كما توقع الجميع.
كل ما فعلته هو أنني حدقت في السقف الأبيض، ثم في ملامح الطبيب التي بدأت تتضح أمامي شيئًا فشيئًا.
رفع يده أمام وجهي وسأل مبتسمًا:
— كم إصبعًا ترين يا ماجدة؟
ابتلعت ريقي بصعوبة.
— ثلاثة.
اتسعت ابتسامته، بينما انفجرت أمي بالبكاء من شدة الفرح.
أما أنا…
فبقيت صامتة.
لم يكن لأنني غير سعيدة، بل لأن الضوء كان مؤلمًا، والألوان تعود بسرعة أربكتني، ولأن هذه المعجزة التي انتظرها الجميع كانت تحمل معها خوفًا لم أخبر به أحدًا.
طوال عامين، لم أعرف العالم إلا من خلال صوت زوجي أنس.
كان يوقظني صباحًا قبل أن تشرق الشمس، ويضع كوب الشاي بين يدي قبل أن أطلبه. يقودني برفق داخل المنزل، يخبرني أين أجلس، وأين أجد كوب الماء، ويختار لي فستاني كل صباح، ثم يصف لي لون السماء، والأشجار، والناس في الشارع، وكأنه يرسم العالم بصوته.
كان يقرأ لي الروايات في المساء، ويتوقف عند المقاطع التي أحبها حتى أحفظها عن ظهر قلب.
وكان كلما شعرت بالعجز، يبتسم ويقول:
— لا تقلقي يا ماجدة… أنا عيناكِ الآن.
كنت أصدقه.
فحين يفقد الإنسان بصره، لا يبقى أمامه إلا أن يثق بالصوت الذي يقوده…
حتى لو كان ذلك الصوت يكذب.
في ذلك الصباح، لم يحضر أنس إلى المستشفى.
اتصل معتذرًا، وقال إن اجتماعًا طارئًا في مكتب المحاماة منعه من المجيء، ووعدني بأنه سيأخذني مساءً، حاملًا باقة من الزهور البيضاء، “تمامًا كما فعل في أول لقاء بيننا.”