روحت اعمل سونار
في بعض الأيام، لا تنكسر الحياة فجأة، بل تتشقق بصمت… ثم تنهار في لحظة واحدة لا يمكن نسيانها. تلك اللحظة التي تدرك فيها أن كل ما بنيته، كل ما صدقته، لم يكن سوى وهمٍ مُحكم الصنع. كان ذلك يوم خميس… يوماً عادياً في ظاهره، لكنه حمل في طياته نهاية كل شيء. دخلتُ المستشفى بخطواتٍ بطيئة، يدي تستقر على بطني في حركة لا إرادية، كأنني أحاول أن أطمئن طفلي قبل أن أطمئن نفسي. كانت رائحة المطهرات تملأ المكان، باردة، حادة، تشبه الحقيقة حين تظهر بلا مقد.مات. جلستُ على المقعد المعدني في الممر، أراقب الأبواب تُفتح وتُغلق، والوجوه التي تمرّ محمّلة بقلقٍ أو أمل. كنتُ حاملاً بعد خمس سنوات من الانتظار. خمس سنوات من الدعاء، من الخيبات الصغيرة، من الأمل الذي يتجدد رغم كل شيء. وأخيراً… جاء هذا الطفل. أحمد لم يكن معي. لم أستغرب غيابه، فقد اعتدتُ ذلك. كان دائماً مشغولاً، دائماً لديه ما هو “أهم”. لم يحضر معي أي كشفٍ سابق، ولم يمسك يدي في غرفة انتظار، ولم يسمع دقات قلب طفلنا كما كنتُ أفعل أنا وحدي. كنتُ أُقنع نفسي أن الرجال مختلفون، أن التعبير ليس شرطاً للحب، أن الصمت لا يعني الإهمال. كنتُ أكذب على نفسي… بلطف. وضعتُ رأسي على الحائط خلفي وأغمضتُ عينيّ لحظة. تخيلتُ شكل طفلي، صوته، ضحكته. تخيلتُ أحمد وهو يحمله، ربما سيتغير، ربما حين يراه سيصبح أباً مختلفاً. كل الأمهات يخلقن الأعذار… حتى اللحظة الأخيرة. فتح باب غرفة السونــ ــار فجأة، فالتفتُّ تلقائياً. لم يكن دوري، لكن الصوت في الممر كان مرتفعاً، غير معتاد. حركة سريعة، ارتباك، أصوات تتداخل. ثم رأيته. أحمد. وقف عند مدخل الممر، لم يتغير شكله، نفس الملامح التي أحببتها، نفس الجسد الذي كنت أظنه سندي. لكن شيئاً واحداً كان مختلفاً… لم يكن وحده. كانت بجانبه امرأة. حامل. كانت تستند عليه، يدها تمسك بذراعه بقوة، وجهها شاحب، تتألم بوضوح. لكنه لم يكن قلقاً فقط… كان حنوناً. ذلك النوع من الحنان الذي لم أعرفه منه يوماً أمام الناس. كان يهمس لها بشيء لم أسمعه، لكنه كان كافياً لأشعر بأنني غريبة. غريبة تماماً. تجمدتُ في مكاني. لم أفهم في البداية. عقلي رفض أن يربط الصورة بالحقيقة. حاولتُ أن أخلق تفسيراً سريعاً، أي تفسير. ربما قريبة؟ ربما صديقة؟ ربما… ثم جاءت الضــ . ـربة. صرخ أحمد بصوتٍ عالٍ، صوتٍ اخترق الممر كله: “وسّعوا الطريق! مراتي بتولد… حالة طارئة!” مراتي. الكلمة لم تكن مجرد صوت. كانت سـ . ــكيناً. شعرتُ بها تدخل صدري ببطء، تمزق شيئاً عميقاً لا يُرى. لم يكن الألم جسدياً، بل كان أعمق، أثقل، كأنه يسحب الروح من مكانها. مراتي… وقفتُ هناك، أراقب المشهد كأنني أشاهده من خارج جسدي. كأنني لستُ أنا. يدي تحركت على بطني، غريزةً لا واعية، كأنني أحاول أن أحمي طفلي من تلك الكلمة، من ذلك الصوت، من تلك الحقيقة. رفع أحمد عينيه… ورآني. تغير وجهه في لحظة. رأيتُ كل شيء يمرّ عليه: الصد.مة… الخوف… الإنكار… ثم الجمود. لكن الأوان كان قد فات. لم يحتج أن يشرح. لم يحتج أن يتكلم. الحقيقة كانت واضحة، صارخة، لا تحتاج إلى كلمات. الهواء أصبح ثقيلاً. الممر ضاق. الأصوات خفتت، أو ربما أنا التي لم أعد أسمع. تقد.مت الممرضة نحوه بسرعة، وبدأت تُنادي على الأطباء، يأخذون المرأة بعيداً، وهو معها، يركض، يختفي داخل غرفة الطوارئ. تركني. مرة أخرى… لكنه هذه المرة تركني أمام الحقيقة. جلستُ ببطء على الكرسي. لم أبكِ. الغريب أن الد.موع لم تأتِ. كان هناك شيء أكبر من البكاء، شيء أشد قسوة. كان هناك فراغ. صمت داخلي كامل، كأن كل المشاعر انسحبت فجأة وتركتني خالية. كنتُ قبل دقائق امرأة سعيدة، تنتظر أن ترى طفلها. والآن… لم أعد أعرف من أنا. مرّت دقائق… أو ربما ساعات، لم أعد أميز الزمن. خرج أحمد من الغرفة أخيراً. رآني. اقترب ببطء، خطواته مترددة، وجهه شاحب، عيناه تبحثان عن كلمات لا يجدها. “أنا… كنت هفهمك…” قالها بصوتٍ مكسور. نظرتُ إليه. لأول مرة منذ سنوات… رأيته بوضوح. لم أرَ الرجل الذي أحببته، بل رأيتُ شخصاً غريباً. شخصاً كذب، وخان، وعاش حياة كاملة خلف ظهري، بينما كنتُ أبني له بيتاً من الثقة. ابتسمت. ابتسامة بطيئة… باردة… لا تشبهني. لم تصل إلى عينيّ، لكنها كانت تحمل شيئاً واحداً فقط… نهاية. قلتُ بهدوء: “مفيش حاجة تتفهم.” سكت. لم يدافع. لم ينكر. ربما لأنه أدرك أن كل شيء انتهى فعلاً. وقفتُ. شعرتُ بثقل جسدي، لكنني تماسكت. وضعتُ يدي على بطني مرة أخرى، هذه المرة ليس خوفاً… بل وعداً. وعد لنفسي. نظرتُ إليه آخر مرة، ثم أدرتُ ظهري ومشيت. لم أنظر خلفي. في تلك اللحظة، لم أكن فقط أترك أحمد… كنتُ أترك كل النسخة القديمة مني. المرأة التي كانت تبرر، التي تصبر، التي تنتظر التغيير. انتهت. خرجتُ من المستشفى إلى الهواء الطلق. الشمس كانت ساطعة، بشكلٍ غريب، كأن العالم لا يهتم بما حدث داخلي. أخذتُ نفساً عميقاً. شعرتُ بشيء جديد… شيء مؤلم، نعم… لكنه حقيقي. لأول مرة منذ سنوات، كنتُ أواجه الحقيقة دون تجميل. لم أعد زوجة. لم أعد في حياة أحد. لكنني… ما زلتُ أماً. وذلك… كان كافياً. سرتُ ببطء، وأنا أضع يدي على بطني، وأهمس بصوتٍ لا يسمعه أحد: “إحنا هنبدأ من جديد… أنا وإنت.” لم يكن الطريق واضحاً. لم أعرف كيف سأواجه الأيام القاد.مة، ولا كيف سأبني حياة جديدة. لكنني كنتُ متأكدة من شيء واحد… أن تلك اللحظة… لحظة الانكسار… كانت أيضاً… لحظة البداية.
مرّت الأيام الأولى بعد ذلك اليوم كأنها ضباب كثيف لا ينقشع. كنتُ أتحرك، أتناول طعامي، أنام، أستيقظ… لكنني لم أكن أشعر بشيءٍ حقيقي. كأن الحياة أصبحت مجرد أفعالٍ متتابعة بلا روح، وكأن قلبي قد أغلق أبوابه بإحكام خوفاً من أي ألمٍ جديد. عدتُ إلى المنزل وحدي في تلك الليلة. البيت الذي كان يوماً دافئاً بدا بارداً على نحوٍ غريب. كل شيء فيه يخصني ويخصه، وكل زاوية تحمل ذكرى صغيرة كنتُ أظنها سعيدة. الأريكة التي كنا نجلس عليها، الطاولة التي كنا نتناول فوقها الطعام، حتى الستائر التي اخترتها بعناية… كلها بدت فجأة غريبة، كأنها لا تنتمي إليّ. وقفتُ عند الباب طويلاً قبل أن أدخل، كأنني أخشى مواجهة المكان، أو ربما مواجهة نفسي. حين دخلتُ، لم أبحث عنه. لم أكن أريد تفسيراً، ولا اعتذاراً، ولا حتى مواجهة. كل ما أردته هو الصمت. جلستُ على طرف السرير، وضعتُ يدي على بطني، وأغمضتُ عينيّ. في تلك اللحظة، فقط، سمحتُ لنفسي بالبكاء. لم يكن بكاءً عادياً. كان بكاءً مكتوماً، عميقاً، كأنه يخرج من مكانٍ قديم في داخلي، من كل لحظة تجاهلتُ فيها شكاً، من كل مرة أقنعتُ نفسي أن الأمور بخير، من كل مرة فضّلتُ الصمت على المواجهة. بكيتُ حتى شعرتُ بالإرهاق، حتى خفّ صدري قليلاً، حتى عاد إليّ صوتي الداخلي.
وفي الصباح… استيقظتُ بقرار. لم أعد تلك المرأة التي كانت تنتظر. ولم أعد مستعدة لأن أكون خياراً ثانياً في حياة أحد. بدأتُ أرتب أفكاري بهدوء. لم يكن القرار سهلاً، لكنه كان واضحاً. سأرحل. ليس هروباً، بل نجاة. ليس ضعفاً، بل قوة. اتصلتُ بأختي، صوتي كان ثابتاً على عكس ما شعرت به داخلي. لم أشرح التفاصيل، فقط أخبرتها أنني بحاجة إلى البقاء معها لبعض الوقت. لم تسأل كثيراً، وكأنها فهمت من نبرة صوتي أن هناك ما لا يُقال. خلال ساعات قليلة، كنتُ أجهّز حقيبتي. كل قطعة ملابس وضعتها كانت تحمل ذكرى، وكل ذكرى كانت تمرّ في ذهني كأنها شريط سريع. لكنني لم أتوقف عندها. لم أسمح لنفسي بالانكسار مرة أخرى. كنتُ أغلق فصلاً… بهدوء. وقبل أن أخرج، نظرتُ إلى البيت للمرة الأخيرة. لم أشعر بالحنين. شعرتُ فقط بالتحرر. حين وصلتُ إلى بيت أختي، استقبلتني بصمت، بعناق طويل لم أتمالك نفسي خلاله. لم أسرد القصة كاملة، لكنني قلتُ جملة واحدة كانت كافية: “كل حاجة انتهت.” ومن هناك… بدأتُ أستعيد نفسي. الأيام التالية لم تكن سهلة. كانت هناك لحظات ضعف، لحظات أتساءل فيها: كيف لم أرَ؟ كيف خدعني؟ كيف عشتُ كل تلك السنوات في وهم؟ لكنني كنتُ أعود في كل مرة إلى نفس النقطة: لم يكن الخطأ أنني وثقت… الخطأ كان أنني تجاهلتُ الحقيقة حين بدأت تظهر. بدأتُ أذهب إلى طبيبتي بانتظام، هذه المرة لم أكن وحدي تماماً. أختي كانت معي، تملأ الفراغ الذي تركه أحمد دون أن تحاول تعويضه. وجودها كان هادئاً، داعماً، صادقاً… عكس كل ما عشته في الفترة الأخيرة. وفي إحدى زيارات السونــ ــار… حدث شيء صغير، لكنه غيّر الكثير. كنتُ مستلقية، أراقب الشاشة، حين سمعتُ صوت دقات قلب طفلي بوضوح. ذلك الصوت… كان حقيقياً، ثابتاً، لا يكذب. د.موعي نزلت دون أن أشعر. لم تكن د.موع حزن هذه المرة… كانت د.موع إدراك. أدركتُ أن هناك حياة تنمو داخلي، حياة لا عـ ـلاقة لها بالخيـ ـانة، ولا بالألم، ولا بالماضي. حياة جديدة، نظيفة، تستحق بداية مختلفة. في تلك اللحظة، وضعتُ يدي على بطني وابتسمتُ… ابتسامة حقيقية هذه المرة. همستُ لنفسي: “أنا مش لوحدي.” ومنذ ذلك اليوم… تغيّر كل شيء. بدأتُ أفكر في المستقبل، لا في الماضي. في اسمي كأم، لا كزوجة. في قوتي، لا في كسري. أما أحمد… فقد حاول الاتصال. كثيراً. في البداية، تجاهلتُ. ثم أرسل رسائل، يعتذر، يبرر، يقول إن الأمر “تعقّد”، وإنه “لم يكن يقصد”، وإنه “سيشرح كل شيء”. لكنني لم أرد. لأن الحقيقة لا تحتاج إلى شرح. والخـ. . يانة لا تحتاج إلى تفسير. في إحدى الليالي، أمسكتُ الهاتف، نظرتُ إلى اسمه طويلاً… ثم حذفته. لم يكن مجرد رقم. كان فصلاً كاملاً. وأنا… اخترتُ أن أغلقه. مرّت الشهور ببطء، لكن بثبات. بدأ بطني يكبر، وبدأتُ أشعر بطفلي يتحرك، وكأن كل حركة منه تذكير بأن الحياة لا تتوقف عند الألم. تعلمتُ أن أكون أقوى… ليس لأنني أريد، بل لأنني لم أعد أملك خياراً آخر. وفي إحدى الليالي، بينما كنتُ جالسة وحدي، أراقب القمر من النافذة، وضعتُ يدي على بطني وقلتُ بصوتٍ هادئ: “أنا وعدتك… إننا هنبدأ من جديد.” وللمرة الأولى منذ زمن طويل… كنتُ أصدق نفسي.