حساب معلن
في الساعة الثالثة وسبع دقائق فجراً، اهتز هاتفي على الكومودينو الرخامي بجواري.
لم يكن الاهتزاز عالياً.
ولا درامياً.
مجرد ذبذبة خفيفة فوق الحجر البارد، كادت لا تطرد السكون المطبق على قصرنا في حي “المعادي”.
لكنني قضيت سبع سنوات وأنا أتعلم كيف أنام بجوار رجل يتقن الكذب بسهولة مرعبة؛ فلم يعد جسدي يعرف النوم العميق، بل كان يستريح وهو في حالة تأهب.
فتحت عيني.
كان جانب “طارق” من الفراش خالياً.
الملاءات بجواري ملساء لم تُلمس منذ أن غيرتها الخادمة في الظهيرة. ومن خلال النوافذ الممتدة من الأرض إلى السقف، كانت أضواء القاهرة تتلألأ في الأسفل تحت سماء خالية من القمر.
اهتز هاتفي مجدداً.
رقم غير مسجل.
صورة واحدة.
كنت أعلم هوية الراسل حتى قبل أن ألمس الشاشة.
“كامليا”.
المساعدة التنفيذية لزوجي.
ثمانية وعشرون عاماً، شعر كستنائي، وعينان خضراوان، وضحكة منخفضة بعناية كي لا تزعج رجلاً نافذاً. كان طارق قد عرفني عليها قبل عشرة أشهر في حفل خيري وسط البلد.
قال حينها: “أكثر الموظفات إخلاصاً في الشركة”.
صافحتني كامليا بكتا يديها وقالت بابتسامة دافئة: “سمعت عنكِ الكثير يا مدام طارق”.
لكن عينيها لم تكونا دافئتين؛ بل مرتا سريعا على فستاني، وخاتم زفافي، وألماس عقدي، ثم تجاوزتني نحو طارق وكأنها تقيس في سرها المسافة بين الحياة التي أحتلها والحياة التي تتوق إليها.
فتحت الصورة.
كانت كامليا مستلقية على فراش الفندق، تلتف بقميص طارق الأبيض.
ولم يكن أي قميص، بل القميص الإيطالي المصمم خصيصاً له والذي أهديته إياه في عيد زواجنا، مع حرفي اسمه المطرزين بعناية داخل الأكمام: “ط. ش”.
كان الجناح خلفها لا يُخطئه العقل: مصابيح دافئة، ملاءات حريرية بيضاء، وألواح من خشب الجوز الداكن.
فندق “الفورسيترز”.
وخلفها، غارقاً بين الوسائد، كان زوجي… “طارق الشريف”.
الرئيس التنفيذي لشركة “الشرق للنقل واللوجستيات”.
كانت مجلات المال والأعمال تصفه بأنه مهندس إمبراطورية النقل الحديثة، ورجال الصحافة الاقتصادية يرونه هادئاً، عبقرياً، وثابتاً بشكل خارق. رجل يستطيع دخول غرفة مليئة بالستثمرين الغاضبين ويقنعهم بأن الاستسلام كان فكرتهم من الأساس.
في الصورة، كان يبدو وادعاً.
عينان مغمضتان، وشعره الداكن منسدل على جبهته، وإحدى يديه ترتاح فوق الملاءة بينما يلمع خاتم زواجه تحت الضوء الذهبي.