حساب معلن

ثم تذكرتُ سجله الطبي: “لماذا أغمي عليك في الفندق؟”

تغيرت ملامحه ونظر بعيداً.

ـ “طارق… لماذا نحن في ‘دار الشفاء’؟”

لم يجب… فاقتربتُ منه وقلت: “انظر إليّ!”

وفجأة… رأيتُ كل التفاصيل التي أغفلتُها طوال الأشهر الماضية: الصداع المستمر… فقدانه للتوازن… المرتعش في يده اليمنى… وتوقفه عن القيادة ليلاً.

سألته والعرَق البارد يغطيني: “ماذا وجد طبيب الأعصاب؟”

سقطت دمعة من عينه المسنة، ومسحها بسرعة، ثم قال الكلمة التي قسمت حياتي إلى ما قبل وما بعد:

“ورم خبيث في المخ… في مرحلة متقدمة”.

توقف كل شيء في العالم…

ـ “لا…”

ـ “غير قابل للجراحة… أنهيتُ العلاج الإشعاعي فقط لتبطئ نموه”.

ـ “طارق… لا تقلها!”

تجمعت الدموع في عينيه: “مريم…”

صرختُ بقلب محروق: “لا تنادِ باسمي! لا تقف أمامي لتقول إنك تموت بعد أن جعلتني أصدق طوال سنوات أنك توقفت عن حبي!”

تكسر وجهه، ورأيتُ الرجل الخائف الذي كان يجلس معي يوماً على أرضية المخازن يأكل بائع آلي في الثانية صباحاً ويعدني بالإمبراطورية.

همس: “كنتُ أحتاجكِ غاضبة يا مريم…”

ـ “لماذا؟!”

ـ “لأن الحزن كاد يقتلكِ عندما مات والدكِ… فقررتُ أن الكراهية ستجعلكِ تقفين على قدميكِ وتردين على ثريا وتأخذين حقكِ وحق والدكِ!”

ضربتُ صدره بقبضتي: “يا لك من أناني غبي! تجعلني أظن أنني أصبحتُ غير مرغوب فيّ؟! تجعلني أظن أن مساعدة في 28 أخذت مكاني؟!”

ـ “أنا آسف…”

ـ “توقفتَ عن لمسي!”

ـ “كنتُ تصيبني تشنجات ليلاً… وكنتُ أخاف أن تستيقظي وتريني بهذه الحالة!”

ـ “كان يجب أن تدعني أرى!”

فقال بصوت مكسور: “لم أستطع… لأنني كنتُ أعلم أنكِ لو علمتِ، ستجلسين بجانبي وتبكين وتتركين ثريا تأخذ كل ما بنيناه!”

انهارت كل قواي… وأمسك بي طارق، وللمرة الأولى منذ سنة كاملة، احتضنني زوجي بكل قوته.

بكيتُ على صدره بصوت عالٍ ومكتوم: “أنا أكرهك…”

ـ “أعلم…”

ـ “كم بقي لك من الوقت؟”

ـ “الأطباء يقولون ثمانية أسابيع… ربما اثنا عشر”.

غرق وجهي في معطفه… لقد أضعنا سبع سنوات في الصمت، والآن لم يبقَ لنا سوى ثمانية أسابيع لنحاول الكلام.

الجزء الثالث — ما أتبعه الحريق

لم نعد إلى القصر في تلك الليلة… جلسنا على أرضية المكتب في “دار الشفاء” حتى الفجر، نتصفح أوراق مقتل أبي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *