شوية سكر بقلم نيرمين عادل همام
شوية سكر بقلم نرمين عادل همام
جارتي كانت بتجيلي كل يوم تطلب شوية سكر وهي شايلة ابنها، وكنت فاكرة إنها مجرد بنت مهملة وإيدها مخرومة ومش عارفة تدير بيتها. لحد ما في يوم الصبح همستلي وهي بتترعش أنا مش جاية عشان السكر يا طنط كريمة.. أنا جاية لأن دي الطريقة الوحيدة اللي بيخليني أخرج بيها من باب الشقة وأنا لسه فيا الروح.
أول مرة، الموضوع ضايقني بصراحة. كنت قاعدة بشرب قهوتي الصبح، وفاتحة الراديو وبسمع الأخبار، ومستمتعة بالهدوء اللي الواحد بيتعلم يحبه ويقدسه بعد ما يعيش لوحده سنين طويلة. وفجأة سمعت خبط على الباب. قمت فتحت بالروب بتاعي، وما كنش باين عليا الترحيب خالص، يعني كنت مكشرة. كانت جارتي الجديدة من شقة 4. رفيعة.. وشها باهت وكأنها طالعة من عيا.. وشايلة طفل نايم وضامّاه لصدرها أوي.
قالت بصوت واطي بعد إذنك يا طنط.. ممكن كوباية سكر؟
اديتها السكر. حتى ما قلتلهاش اتفضلي. قلت في سري بنات الأيام دي، لا شطارة ولا حتى عارفين يملوا مطبخهم، بيعيشوا يوم بيوم.
لكنها رجعت تاني يوم. واللي بعده. واللي بعده. دايماً الساعة 8 وربع الصبح. دايماً بعد ما جوزها ينزل الجراج، يدور الموتوسيكل بتاعه ويمشي. دايماً والطفل بين إيديها. وديماً بتبص ناحية السلم بلهفة ورعب قبل ما تخبط على بابي.
سكر تاني؟ سألتها يوم خميس وأنا خلاص خلقي
ضاق.
حاولت تبتسم. بس شفايفها كانت بتترعش وما عرفتش. وقتها بدأت أركز في وشها بجد. عينيها كانت ورمة، بس مش من قلة النوم.. دي عيون واحدة كانت بتموت من العياط طول الليل. الطفل كان لابس نفس الطقم الأصفر بقاله تلات أيام. ما كانش معاها موبايل أبداً. ولا شنطة إيد. ولا حتى مفاتيح في إيدها. ولما كانت بتسمع صوت خطوات في الطرقة، كانت بتتخشب مكانها كأن فيه رصاصة هتضرب في قلبها.
أنا اسمي كريمة. عندي اتنين وسبعين سنة. وشفت في الدنيا دي اللي يشيب. وفيه أنواع من الخوف الواحد بيشمها شم، حتى لو كانت مستخبية ورا الأدب والذوق. يوم الاثنين اللي بعده، لما خبطت، ما رحتش أجيب السكر. وسعتلها الطريق وقلت بلهجة حازمة ادخلي يا بنتي.
وقفت مكانها مذهولة مش هقدر.. هتأخر. قلت لها يبقى ادخلي بسرعة.
دخلت وهي ضامة الطفل بقوة كأنها خايفة حد يخطفه منها. كانت ريحتها ريحة عيال صغيرة، وصابون رخيص، وريحة خوف تفلق الصخر. صبيت لها كوباية شاي. أول ما مسكت الكوباية، إيدها بدأت تخبط في بعضها من الرعشة.
اسمك إيه يا حبيبتي؟ ليلى. والولد الجميل ده؟ ياسين.
الطفل فتح عينيه الصغيرة وبصلي بصة وجعت قلبي، كأنه هو كمان شايل هم كبير. وطيت صوتي أوي وسألتها ليلى.. أنتي بجد محتاجة كل السكر ده؟
عينيها اتملت دموع قبل ما ترد، وعرفت وقتها إن سؤالي لمس الوجع اللي حاولت تداريه كتير.
لأ، همست وهي بتمسح عينيها بطرف طرحتها. أنا مش جاية عشان السكر.
وقفت مكاني مذهولة، بصت ناحية الباب بخوف، وبعدين مالت عليا واتكلمت بصوت واطي أوي ده العذر الوحيد اللي عندي عشان أخرج من باب الشقة. هو بيتحكم في كل حاجة.. المصاريف، المكالمات، حتى بيعد عليا الحفاضات اللي بغيرها للولد.
حسيت دمي برد في عروقي قصدك جوزك؟
ليلى هزت راسها، ودمعة نزلت منها غصبت عنها على راس ابنها لو نزلت السوبر ماركت، بيحسبلي الوقت بالدقيقة. لو كلمت أمي، بيراجع سجل المكالمات ورايا. لو قلت عايزة أخرج أشم هوا، بيقلب الدنيا ويسأل ليه.. بس المجيء هنا.. بصتلي بكسوف وكملت المجيء هنا بيوافق عليه، لأنه بيقول إنك مجرد ست عجوزة ووحيدة وما منكيش أي خطر.
ست عجوزة ووحيدة. كنت هضحك، مش عشان كلامه يضحك، بس من الغل اللي جوايا. الراجل ده ما كنش يعرف إن الست العجوزة اللي دفنت جوزها ومخاوفها وصبرها، ممكن تكون أخطر عليه من أي حد تاني.
من اليوم ده، بيتي ما بقاش مجرد شقة جارة.. بقى ملجأ. ليلى كانت بتيجي كل يوم ومعاها الكوباية الفاضية، وكنت بحط لها سكر على الوش عشان لو ثبتها ولا شاف الكوباية يبان الموضوع طبيعي، بس من تحت السكر كنت بخبي لها حاجات تانية.. ورقة فيها أرقام نجدة، قميص نضيف للولد، ميتين جنيه، مفتاح احتياطي لشقتي، وموبايل قديم كنت شايلاه من ساعة ما حفيدي جابلي الواحد اللي باللمس ده.
إياكي تفتحيه هناك أبداً، حذرتها وأنا بديهولها. يتفتح هنا عندي وبس.
هزت راسها زي طفلة بتسمع الكلام، ومع الوقت بدأت تتنفس، وبدأت الروح ترد في مطبخي تاني. ياسين الصغير بدأ يزحف بين الكراسي عندي، وليلى بدأت تضحك بصوت واطي.. في الأول كانت بتستأذن، وبعدين بدأت تضحك بجد.
حكتلي إن جوزها اسمه أيمن. وإنه في الأول كان حنين أوي وبتاع ربنا، وبعدين بدأ ب أنا مش عاجبني نظرات الراجل ده ليكي.. وبعدين ما تشتغليش، أنا مكفيكي وشايلك في عيوني.. وبعدين أمك بتتدخل في حياتنا زيادة عن اللزوم.. ولحد ما المفاتيح اختفت، والفلوس بقت تتعد بالقرش، وبدأ الزعاق.. والزق.. والاعتذارات والورد.. وبعدين الزعاق من أول وجديد.
أنا مكسوفة أوي يا طنط، قالتلي في يوم. كنت ديماً بقول إن مستحيل يحصلي كدة.
مسكت إيدها وضغطت عليها كلهم بيقولوا كدة يا بنتي، لحد ما يقابلوا وحش لابس وش ملاك.
خدنا تلات شهور بنخطط. تلات شهور بنجمع ورقها.. شهادة ميلاد ياسين، بطاقتها، غيارين هدوم، وشوية أدوية، ورقم تليفون أختها اللي في الإسكندرية. شلت لها كل حاجة في علبة بسكويت صفيح فوق الثلاجة.
وقت ما تحسي إنك جاهزة، تعالي، قلتلها. في أي وقت.
ليلى بصتلي وكأني فتحت لها طاقة قدر طب ولو جه ورايا؟
بصيت لعصايتي الأبنوس الساندة جنب الباب وقلت ببرود
بس الأسبوع ده، أيمن اتغير، وحسيت بكدة قبل حتى ما تحكيلي. ليلى وصلت متأخرة، مش 8 وربع.. كانت 9 إلا ربع. جت ومن غير كوباية في إيدها، وشفت شفتها مجروحة وورمة، وياسين بيصرخ في حضنها.
عرف، همست وهي بتترعش.
رزعت الباب وقفلته بالترباس عرف إيه؟
ليلى ما لحقتش ترد. من الناحية التانية من الطرقة، صوت خطوات سمعناه.. خطوات بطيئة.. تقيلة.. واثقة.
وبعدين خبط على بابي..
تلات خبطات ناشفين ورا بعض.
النفس انقطع جوه الشقة. ليلى ضمت ياسين لصدرها لدرجة إن الطفل كتم صرخته في لبسها. كان…
وشها كان بيترعش، وعينيها متثبتة على الباب الخشب كأنه حتة كرتون قدام إعصار. الخبطات التلاتة كانوا واضحين، باردين، وفيهم تهديد مكتوم يقطع القلب.
يا ست كريمة؟ صوت أيمن جه من بره، ناعم وهادي بشكل يرعب. أنا آسف على الإزعاج، بس أعتقد إن ليلى مراتي عند حضرتك.. هي نسيت إن عندها مشوار مهم الصبح.
شاورت لليلى بإيدي إنها تدخل أوضة النوم وتقفل الباب من جوه بالمفتاح. مشيت ناحية الباب بخطوات تقيلة، وكنت متعمدة أخبط عصايتي الأبنوس في الأرض عشان يحس بوجودي. فتحت الباب حتة صغيرة، وكنت حاطة الجنزير بتاع الأمان. بصيت من الفتحة؛ كان أيمن واقف بقميصه المكوي بالمسطرة وابتسامته اللي عمرها ما وصلت لعينيه.
قلت بنبرة هادية خالص أهلاً يا ابني.. ليلى هنا فعلاً، كانت بتجيب سكر، بس فجأة داخت وهبطت، فخليتها ترتاح جوه شوية. ابتسامته بدأت تختفي بالتدريج تعبت؟ طيب خليني أدخل آخدها، أنا هعرف أراعيها. لأ يا حبيبي، هي نايمة دلوقتي. والبيت بيت ست عجوزة، ما يصحش تدخل وهي بالوضع ده. فوت علينا كمان ساعة.
أيمن حط إيده على الباب، وحسيت بقوته وهو بيضغط على الخشب يا ست كريمة، بلاش نلعب مع بعض. ليلى دي بتاعتي.. والولد بتاعي. افتحي الباب أحسن ما أكسره.
ضحكت ضحكة قصيرة خلته يستغرب ويتسمر مكانه تكسر الباب؟ يا أيمن، إنت ناسي إننا في عمارة محترمة، وخبطة واحدة كمان هتجيب الجيران والبوليس في ثواني. وبعدين.. خدت نفس عميق وكملت أنا اتصلت بالنجدة من خمس دقايق أول ما شفت ليلى وشفت وشها المتبهدل.. زمانهم على وصول.
كذبت طبعاً، بس الكذبة كانت لازم عشان أسرق وقت. وش أيمن اتقلب تماماً، الهدوء اللي كان فيه اتحول لوحشية حقيقية، وبدأ يضرب الباب بكتفه بكل غله.
جريت بأقصى سرعة قدرت عليها ناحية المطبخ. ما كنتش بدور على سكينة، كنت بدور على علبة البسكويت الصفيح اللي فوق الثلاجة. خدتها ودخلت أوضة النوم.
ليلى! اسمعيني كويس! زعقت فيها وهي منهارة من العياط. فيه شباك هنا بيطل على منور واسع وفيه سلم حديد بتاع الصيانة. . انزلي منه فوراً. الشنطة جاهزة، والفلوس والورق كله جوه العلبة.
مش هقدر يا طنط كريمة.. أنا خايفة! لو فضلتي هنا، الموت هو اللي مستنيكي. انزلي! أنا هعرف أعطله.
الباب اللي بره بدأ يتشرخ وصوته بقى يرعب. أيمن كان بيزأر زي الديب الجعان. ليلى أول ما شفت ياسين وهو بيصرخ، استجمعت كل شجاعتها. فتحت لها الشباك، وساعدتها تعدي للسلم الحديد.
اطلعي على محطة القطر فوراً، التذكرة في العلبة.. طيري!
بمجرد ما ليلى اختفت في المنور، باب الشقة اتكسر ووقع بالكامل. دخل أيمن زي العاصفة، كان في إيده مفك طويل، وعينيه كانت بتطلع نار وشرار.
هي فين؟! صرخ وهو بيمسكني من دراعي بقوة كادت تكسره. بصيت له بمنتهى البرود، وتفيت في وشه. هي في مكان عمرك ما هتوصله يا جبان.
دفعني وقعني على الأرض، وجري زي المجنون على أوضة النوم، وشاف الشباك مفتوح. بص لتحت، كانت ليلى وصلت للرصيف وبدأت تجري ناحية التاكسي اللي كنت متفقة معاه مسبقاً إنه يستناها في الوقت ده من كل يوم احتياطاً.
أيمن حاول يلحقها من السلم، لكن في اللحظة دي، صوت سارينة البوليس الحقيقية كان مالي الشارع. أنا فعلاً كنت ضغطت على زرار الاستغاثة الصامت اللي حفيدي ركبهولي تحت التربيزة وواصل بقسم الشرطة.
مرت ست شهور. أيمن اتمسك واتحكم عليه بالسجن بتهمة التعدي والترويع والشروع في القتل، خاصة بعد ما المحامي عادل ابن أختي، اللي وصيته يمسك قضيتها، قدم كل التسجيلات اللي ليلى سجلتها له بالموبايل القديم اللي عطيتهولها.
أنا قاعدة في مطبخي دلوقتي، بشرب قهوتي الصبح.. الساعة 8 وربع. سمعت خبط على الباب. قلبي دق.. هل ممكن يكون رجع؟ فتحت الباب.
كانت ليلى. بس مش ليلى الباهتة الخايفة.. كانت لابسة فستان ملون، ووشها فيه نضارة وردت فيه الروح. وياسين كبر وبقى بيمشي، وجري عليا حضن رجلي.
يا طنط كريمة.. أنا جيت أرد لك السكر.
مدت لي كوباية مليانة سكر، بس المرة دي كان محطوط فوقها وردة صغيرة.
أنا اشتغلت في إسكندرية يا طنط.. وبقيت مستقلة وبصرف على نفسي. وجيت عشان أشكرك.. أنتي ما أنقذتيش حياتي بس، أنتي علمتيني إن القوة مش في العضلات، القوة في القلب اللي بيقرر إنه مش هيخاف تاني.
بكيت، ولأول مرة من سنين، ما كنتش ست عجوزة ووحيدة. كنت أم وجدة لروحين رجعوا للدنيا بسببي.
اتعلمت إن العمر مجرد رقم، وإن شوية سكر ممكن يكونوا سبب في تغيير قدر إنسان. وإن الست العجوزة اللي الكل بيستهين بيها، هي اللي بتقدر تكسر الوحوش بذكائها وحكمتها.
ليلى فضلت معايا أسبوع قبل ما تسافر تاني، والمطبخ بتاعي فضلت ريحته سكر وورد ليالي طويلة. لأن الجيرة مش بس حيطان، الجيرة قلوب بتطبطب على بعض في عز الوجع.
بقلم نرمين عادل همام
تمت