قصة امل

**قصة: أمل**
مررت أمل راحة يدها فوق مفرش الطاولة، ففتتت كسرة خبز تحت أصابعها. في قاعة أفراح البلدة، كان هناك صخب كثيف يتصاعد بين الطاولات؛ وكانت رائحة الجو تفوح باللحم المشوي، وعطور المدعوات السكرية المفرطة، والعصائر المسكوبة. خمسة عشر عاماً من الزواج. كان الضيوف يزدحمون حول البوفيه، يرفعون كؤوسهم، ويضحكون بصوت صاخب للغاية.
بجانبها، كان أحمد يملأ كرسيه ببنيته الضخمة، محشوراً في بدلة باللون الأزرق الداكن. وكان كل دقيقتين يشد عقدة رابطة عنقه. هل كان ذلك بسبب التوتر؟ أم أنه كان يتمرن بالفعل على عرضه المسرحي؟
كانت أمل تدير خاتم زواجها حول إصبعها، لكنه كان يقاوم. في الماضي, كان ينزلق بسهولة؛ أما الآن، فقد أصبح يضغط على جلدها. منذ ستة أشهر لم تعد ترتديه، ولم تضعه مجدداً إلا هذا المساء. عن عمد. ليكون هناك، ظاهراً بوضوح، في اللحظة التي سينطق فيها بالكلمات التي أعدها.
لأنها كانت تعلم. منذ وقت طويل.
وقف أحمد وأمسك بالميكروفون. تدريجياً، خفتت الأحاديث. شد كتفيه إلى الظهر، وجال بنظره في أرجاء القاعة، ثم التفت ببطء نحو زوجته. وامتزج على وجهه شعور بالرضا الخبيث ونوع من الاشمئزاز الذي لم يستطع إخفاءه بشكل جيد.
قال بصوت جهوري، وهو ينطق كل مقطع بوضوح:
— أمل، لقد انتظرت هذا اليوم منذ خمسة عشر عاماً. منذ ليلتنا الأولى وأنتِ تثيرين اشمئزازي. هل تفهمين؟ تثيرين اشمئزازي. لم أستطع يوماً الاقتراب منكِ دون أن أشعر برغبة في التراجع. بالنسبة لي، لم تكوني سوى تذكرة لحياة مريحة. لا شيء أكثر. مجرد صيدلانية باهتة تفوح منها رائحة الأدوية. غداً سأطلب الطلاق. ستظل الشركة لي، وأنتِ ستحتفظين بحبوبكِ وفراغكِ.
سقط صمت رهيب ومفاجئ على القاعة. وسُمع صوت شخص يبتلع ريقه بصعوبة. انتفض أبو أمل (صالح)، والد أمل، وتشبث بحافة الطاولة. وأطلقت إحدى النساء صرخة خافتة ومكتومة.
خلعت أمل خاتم زواجها. ببطء، ودون حتى أن تنظر إلى زوجها. وضعتْه أمامها على مفرش الطاولة. ثم رفعت عينيها الجافتين والهادئتين، وأومأت برأسها إيماءة قصيرة لابن أختها هاني، الذي كان يجلس بالقرب من الحائط ومعه جهاز كمبيوتر محمول.
— شغّل.
أضيئت الشاشة المثبتة في نهاية القاعة. في البداية، لم يفهم أحد شيئاً. ثم تردد صدى صوت. صوتٌ عرفه الجميع فوراً.
على شريط الفيديو، كان أحمد جالساً في مكتب مستودع الحافلات. وكانت تقف أمامه جميلة، الشابة ذات الشعر المصبوغ من قسم حركة السيارات والتوزيع، مرتدية ملابس ضيقة تبرز تفاصيل جسدها.
سألت جميلة وهي تنحني نحوه:
— هل أنت متأكد أنها لا تشك في شيء؟
ضحك أحمد قائلاً:
— بالطبع لا، إنها غبية. تقضى أيامها خلف منضدتها تعد الحبوب. لقد قمت بتحويل ثلاثة قروض باسم الشركة، وهي لا تدري عن الأمر شيئاً. عندما نتطلق، ستكون الديون من نصيبها، والعمل لي. وأنا وأنتِ، يا جميلتي، سنعيش أخيراً الحياة التي نستحقها.
قهقهت جميلة واقتربت منه أكثر.
في منتصف القاعة، شحب لون أحمد. والتفت بعنف نحو أمل.
— ما هذا الـ…
لم تجب. كل ما فعله هاني هو الانتقال إلى ملف آخر.
هذه المرة، أظهرت الشاشة أحمد في سن أصغر بكثير، هزيلاً، يرتدي قميصاً مجعداً. كان يقف بالقرب من كراج السيارات الذي عهد به إليه أبو أمل. وفي يده سيجارة وضحكة خبيثة. كان ذلك يوم الزفاف؛ حيث كان يُلمح في الأفق سرادق الحفل الكبير، وتصل أصوات الموسيقى على دفعات. وكان اثنان من أصدقائه يقفان إلى جانبه.
قال أحمد في الفيديو وهو يجرع كأسه دفعة واحدة:
— أنا لا أحبها، لا أحبها على الإطلاق. ولكن حماتي وحماي لديهما علاقات قوية في البلدية ويمتلكان أراضٍ شاسعة. سأتحملها عشر سنوات، إلى أن أقف على قدمي، وبعدها سأبحث لنفسي عن امرأة حقيقية. ليست هذه الصيدلانية.
انفجر صديقاه بالضحك، بينما عاد أحمد لملء كأسه من جديد.
نهض أبو أمل (صالح) ببطء شديد. تحول لون وجهه إلى الرمادي، وانقبضت شفتاه حتى ابيضّت من شدة الغيظ. حدق طويلاً وبثقل في الشاشة، ثم نقل نظره إلى زوج ابنته.
تمتم قائلاً:
— أحمد… هل كنت تعني كل هذا حقاً؟
تراجع أحمد خطوة إلى الوراء، وكأنما يبحث عن رد، لكن هاني كان قد شغل بالفعل الفيديو التالي.
ظهرت وثائق على الشاشة؛ عقود قروض، وكشوفات حسابات بنكية. كان كل شيء مصوراً بلقطات قريبة وواضحة تماماً للعيان: المعاملات، التوقيعات، والتحويلات المالية. كان العرض يكشف كيف جعل أحمد شركة أمل تكفل قروضاً ضخمة، وكيف كان يحول الأموال إلى حسابات جميلة، وكيف خطط لترك زوجته وحيدة في مواجهة الديون.
وقالت أمل بنبرة باردة:
— هناك نسخ من هذه الوثائق أصبحت بالفعل لدى مصلحة الضرائب. وعند محاميّ أيضاً. الكراجات، الأرض، ومستودع الحافلات: كل شيء مسجل باسمي أنا. أما أنت يا أحمد، فلم تكن سوى مديرٍ لها. وبدءاً من الليلة، لم يعد لك حق إدارة أي شيء. القروض والديون باسمك أنت وتحت مسؤوليتك. أما الشركة، فستبقى ملكاً للعائلة… لعائلتي أنا.
نهضت وخطت بضع خطوات نحوه، فتراجع أحمد على الفور كأنها أوشكت على ضربه.
واستطردت أمل دون أن ترفع نبرة صوتها، بينما كانت كل كلمة تنزل عليه كوقع الصاعقة:
— هل ظننت حقاً أنني غافلة ولا أرى شيئاً؟ طوال ستة أشهر، كنت أراقبك وأنت تحيك خطتك. رأيتك تُدخل تلك الفتاة إلى بيتي وأنا في عملي. وسمعتكما تتحدثان عن قِيمتي وكأنني مجرد بضاعة تقتسمانها. نعم، لزمت الصمت، لكنني في ذلك الوقت كنت أجمع الأدلة؛ لأنني علمت أنك ستختار هذه الليلة تحديداً، ليلة عيد ميلادي، وأمام الجميع، لتهينني وتستعرض قوتك الزائفة.
فتح أحمد شفتيه، لكن لم يخرج منهما أي صوت.
قالت له:
— والآن، اخرج. غادر هذه القاعة، واخرج من حياتي. وأخبر جميلة أن قسم الحركة لم يعد بحاجة إليها.
تحرك أحمد بحركة مفاجئة نحو المخرج، لكن أبو أمل (صالح) اعترض طريقه. لم ينطق بكلمة واحدة، بل اكتفى بالوقوف أمامه والتشديد بنظراته فيه. أطبق أحمد قبضتيه، ثم خفض عينيه وتسلل هرباً نحو الباب. ومن خلفه، انطلقت صيحة استهجان، حيث صرخ أحدهم: “عليك اللعنة! يا قليل الأصل!”، ثم انغلق الباب بعنف.
عادت الأنفاس إلى القاعة؛ بدأت أولاً بهمس مرتبك، ثم تعالت الأصوات تدريجياً. اقترب بعض الضيوف من أمل، يمسكون بيديها ويواسونها. أحاطت بها النساء يتحدثن جميعاً في وقت واحد، لكنها كادت لا تسمعهن. كان حبل أفكارها معلقاً بخاتم الزواج المتروك على الطاولة؛ ذلك الطوق الصغير المستهلك الذي طالما طوّق إصبعها لخمسة عشر عاماً، لتتأكد فجأة أن كل تلك السنين لم تكن تزن شيئاً.
اقترب أبو أمل ووضع ذراعه حول كتفيها قائلاً بنبرة متحشرجة:
— سامحيني يا ابنتي، أنا من أدخلته إلى حياتكِ.
أجابت أمل:
— كنت تريد مساعدتي يا أبي، وليس ذنبك أنه كان بهذا الخُبث.
— سامحيني على أي حال.
ارتمت في حضنه، وفي تلك اللحظة فقط شعرت بالإرهاق الشديد يجتاح جسدها. طوال السهرة، كانت تضغط على أسنانها وتشد كتفيها، متماسكةً برغبة وحيدة وهي ألا تنكسر. ومع ذلك، لم تنزل دموعها، لم يكن هناك سوى فراغ كبير يمتزج بارتياح غريب.
عرض عليها والدها:
— تعالي، سأعيدكِ إلى البيت.
هزت رأسها برفق وقالت:
— لا، سأبقى. أريد أن يرى الجميع أنني ما زلت هنا، وأنني لم أهرب ولم أختبئ.
أومأ والدها موافقاً وضغط على يدها.
وتدريجياً، بدأ الضيوف في المغادرة. كان بعضهم يتوقف عندها ليوجه لها كلمات الدعم والمواساة، وكانت أمل تبتسم وتشكرهم وتجيب بهدوء. وعندما أوشكت القاعة على خلوّها تماماً، اقتربت منها كريمة، زوجة أحد شركاء أحمد السابقين، وقالت بصوت منخفض:
— أمل، هل يمكنني أن أسألكِ سؤالاً؟
— بالطبع.
— كنتِ تعلمين بكل شيء منذ فترة طويلة، أليس كذلك؟ بشأن جميلة والقروض… إذن، لماذا لم تنفصلي عنه من قبل؟
رفعت أمل عينيها لتجد كريمة تنظر إليها بفضول مشدود ومشوب بالألم، وكأن الإجابة لا تخص قصة امرأة أخرى فحسب، بل تمسها هي أيضاً.
أوضحت أمل بهدوء:
— لأنني لو غادرت قبل هذا، لكان قد احتفظ بالمال وبسمعته أمام الناس، وكنت سأجد نفسي بلا شيء، وفوق ذلك ستلاحقني الشائعات بأن كل ما حدث كان بسببي. لذلك انتظرت حتى يكشف قناعه بنفسه، وأمام شهود، حتى لا يتبقى لأي شخص ذرة شك فيما حدث فعلاً.
أومأت كريمة برأسها ببطء، وصمتت للحظة قبل أن تهمس:
— أنتِ قوية… أنا أتحمل زوجي منذ خمسة عشر عاماً، وأخاف أن أتركه.
نظرت إليها أمل باهتمام وقالت:
— هل تحتفظين بأي أدلة؟
ارتسمت على وجه كريمة ابتسامة عابرة ومريرة:
— سأبدأ في جمعها منذ الآن.
صافحت يد أمل ثم انصرفت. وعندما بقيت أمل بمفردها، خفضت عينيها مجدداً نحو الخاتم، التقطته أخيراً بين أصابعها، ثم مشت نحو النافذة وفتحتها…
لفح وجهَها في الحال هواءٌ بارد. رفعت أمل يدها، ودون أن تلتفت، رمت خاتم الزواج في عتمة الليل.
تنحنح هاني، الذي كان يجمع المعدات، واعتدل فجأة في وقفته قائلاً:
— خالتي أمل، ماذا تفعلين؟
أجابته ببساطة:
— أحرر نفسي.
بعد ثلاثة أيام، حاول أحمد العودة إلى مستودع الحافلات، لكن حارس الأمن منعه من الدخول. وقف أمام البوابة الكبيرة يصرخ ملء فمه، ويطالب بالسماح له بالمرور، مهدداً الجميع. وفي تلك الأثناء، وصلت أمل برفقة والدها؛ فقد كانت تجلب بعض الملفات للمدير الجديد المسؤول.
ما إن لمح أحمد سيارتها حتى اندفع نحوها صارخاً:
— أمل، ليس لكِ الحق في هذا! هذه الشركة لي، أنا من قمت بإدارتها وتشغيلها!
أنزلت زجاج النافذة ببطء شديد، وقالت بنبرة هادئة ومتزنة:
— بمالي أنا، وبعلاقات أبي. نعم، كنت تديرها، أما الآن فقد انتهى الأمر. اذهب إلى جميلة، فلعلها تساعدك على النهوض مجدداً.
قال أحمد وهو يلهث والأنفاس تكاد تنقطع منه:
— لقد تبخرت! بمجرد أن علمت بأمر الديون، اختفت تماماً!
مرت ابتسامة خاطفة، خالية من الفرح، على شفتي أمل:
— أمر غريب، أليس كذلك؟ ربما هي أيضاً كانت تراك تثير الاشمئزاز. لكنها كانت أكثر ذكاءً مني، واستوعبت الأمر مبكراً.
تجمد أحمد في مكانه، وتشنج وجهه من شدة الغيظ. خطا خطوة إلى الأمام، لكن أبو أمل (صالح) ترجل من السيارة، ووقف بثقل وبطء إلى جانب ابنته.
قال بنبرة يكسوها التعب:
— ارحل يا أحمد، طالما أننا نطلب منك ذلك بالتي هي أحسن.
ظل أحمد واقفاً بلا حراك لبضع ثوانٍ، ثم دار على عقبيه ومضى مبتعداً، منحنياً كأنه هرم فجأة دفعة واحدة.
تابعته أمل بنظراتها. لم تكن تشعر تجاهه بشفقة ولا بغضب، بل بفراغ كبير حلّ في ذلك المكان الذي احتل فيه الألم كل المساحة طوال خمسة عشر عاماً.
في المساء، كانت تجلس مع والدها في المطبخ. كان أبو أمل يصب الشاي، بينما كانت عيناها موجهتين نحو النافذة، تراقب السماء وهي تتشح بالسواد خلف الزجاج.
سألها:
— كيف تشعرين الآن؟
أجابت أمل:
— أنا بخير.
ثم أردفت بعد فترة صمت:
— إنه لأمر غريب… طوال خمسة عشر عاماً، كنت أظن أن المشكلة تكمن فيّ أنا. أنني لست جميلة بما يكفي، أو لست مثيرة للاهتمام. وأن بروده وجفاءه معي كانا بسبب خطأ أرتكبه بالتأكيد. لكن في النهاية، اتضح أن الأمر لم يكن يتعلق بي؛ هو لم يحبني قط، ولا حتى في البداية.
صمت أبو أمل للحظة، وخفض عينيه وهو يمسك بكوب الشاي بين يديه:
— أتعلمين ما الذي يؤلمني أكثر من أي شيء آخر يا ابنتي؟ هو أنني أتحمل جزءاً من المسؤولية. أنا من شجعته على التقرب منكِ وقتها. كنت أقول لنفسي: شاب جاد ومكافح، وسينجح في النهاية. لكنه كان يحسب كل شيء بدقة منذ ذلك الحين.
هَمست أمل وهي تضع يدها فوق يده:
— أبي، توقف عن لوم نفسك. أنت كنت تريد سعادتي، أما هو فكان يريد المال، وشتان بين الأمرين.
أومأ والدها برأسه، لكن نظراته ظلت حزينة.
— والآن، ماذا تنوين أن تفعلي؟
هزت كتفيها برفق وقالت:
— سأعمل… وأعيش. لدي الصيدلية، ولدي أنت، ولدي مسؤولياتي. لقد وهبت سنوات طويلة من عمري لرجل كان يحقرني… ربما حان الوقت لأتعلم كيف أعيش لنفسي.
— ألن تتزوجي مجدداً?
أطلقت أمل ضحكة خفيفة خالية من البهجة:
— لا أدري. في الوقت الحالي، لا أريد حتى التفكير في الأمر. كل ما أريده هو الهدوء، وألا أسمع أحداً يخبرني مجدداً بأنني لا أُطاق.
ساد الصمت بينهما، وفي الخارج بدأت مصابيح الشوارع تضاء واحداً تلو الآخر. أنهى والدها شايَه ثم نهض.
— حسناً يا ابنتي، سأعود إلى البيت. إذا احتجتِ لأي شيء، اتصلي بي في أي وقت، وفي أي ساعة.
— شكراً لك يا أبي.
بعد رحيله، بقيت أمل بمفردها. جلست إلى الطاولة، وشبكت ذراعيها ثم وضعت جبهتها عليهما. وفي تلك اللحظة بالذات، وسط سكون المطبخ الخالي، سمحت لنفسها بالبكاء. لم يكن بكاء ألم، ولا بكاء حقد، بل كان بكاء ارتياح؛ لأنها لم تعد مضطرة للتظاهر بأن كل شيء على ما يرام، ولم تعد مجبرة على تحمل الحركات الباردة والكلمات الجوفاء، ولا على التصديق بأنها هي المذنبة.
مر شهر كامل. حاول أحمد الطعن في الوثائق والمستندات، لكن محامي أمل وضعه عند حده سريعاً؛ فقد كانت كل الأوراق قانونية وسليمة، وتم كشف كل ألاعيبه واحتياله. وبدأ شركاؤه ينفضون من حوله واحداً تلو الآخر. أما جميلة، فلم يظهر لها أي أثر بعد ذلك.
شيئاً فشيئاً، استعادت أمل حياة بسيطة، بل وشبه عادية: العمل، المنزل، ووالدها. لم يكن هناك شيء استثنائي، ولا ما قد يثير إعجاب أي شخص. لكن بالنسبة لها، أصبح هذا الروتين بمثابة الملاذ الآمن. أحياناً، كانت صديقاتها يعرضن عليها الخروج، أو تناول العشاء في مكان ما لتغيير الأجواء؛ وفي أغلب الأحيان، كانت ترفض بلطف. فلم تكن لديها رغبة بعد في الضجيج، ولا في الأحاديث المتكلفة. كل ما كانت بحاجة إليه هو الصمت. أيام هادئة. ووقت لتعيد بناء نفسها من جديد.
ذات مساء، وفي طريق عودتها من الصيدلية، مرت أمام مستودع الحافلات التابع لشركة النقل. وبدون قصد منها، أبطأت خطواتها، ثم توقفت بالقرب من البوابة. عند المدخل، كان المدير الجديد، سالم، وهو من المعارف القدامى لوالدها، يتبادل أطراف الحديث مع بعض السائقين. كان الرجال يتحدثون بهدوء، بعيداً عن ذلك التوتر العصبي الذي كان في الماضي يخيم على المكان بأكمله.
لمحها سالم ورفع يده محيياً، فردت أمل التحية بإيماءة بسيطة من رأسها.
كل شيء كان مستمراً في الدوران. بدون أحمد. بل والأفضل من ذلك: بدت الأمور أكثر وضوحاً، وأكثر سلاماً، وأكثر صدقاً.
أكملت طريقها. وبعد بضع خطوات، أدركت أنها تبتسم. ليس من أجل شخص معين. ولا لسبب محدد. بل ببساطة لأن الابتسامة شقت طريقها إلى شفتيها من تلقاء نفسها. لم يحدث لها أمر كهذا منذ سنوات.
وبمجرد وصولها إلى المنزل، أعدت لنفسها كوباً من الشاي وجلست بالقرب من النافذة. ثم التقطت هاتفها، وفتحت صندوق الرسائل، وأعادت قراءة الإشعارات التي تركتها جانباً. كانت هناك عدة رسائل من كريمة، تلك المرأة التي تحدثت إليها في ليلة حفل ميلادها.
“أمل، شكراً لكِ. لقد بدأت في جمع الأدلة. ووجدت محامياً، وسأطلب الطلاق قريباً. لقد أثبتِّ لي أننا لسنا مجبرات على تحمل ما لا يُطاق.”
قرأت أمل هذه السطور للمرة الأولى، ثم للمرة الثانية. بقيت الكلمات تتردد أمام عينيها لبضع لحظات، بسيطة لكنها محملة بمعانٍ عميقة. وفي النهاية، أجابت باختصار:
“تماسكي. ستنجحين في ذلك.”
ثم وضعت الهاتف بجانبها، وأدارت بصرها مجدداً نحو الزجاج. كان المساء يسدل ستائره ببطء، والسماء تزداد عتمة، بينما كانت مصابيح الشارع تضاء واحداً تلو الآخر، ونوافذ المباني المجاورة تكتسي بوهج دافئ.
في مكان ما، كان أحمد لا يزال موجوداً، غارقاً في ديونه، بلا شركته، وبلا جميلة، وبلا إعجاب أولئك الذين اتبعوه طالما بدا قوياً. وهنا، في هذه الغرفة الهادئة، كانت أمل. حرة. صامدة. مع عملها، ومع والدها إلى جانبها، ومع حياة أصبحت أخيراً ملكاً لها وحدها.
رفعت الكوب إلى شفتيها وارتشفت منه. كان الشاي لاذع الحرارة، لدرجة تكاد تكون مؤلمة. ومع ذلك، لم تتقلص ملامحها. بل اكتفت بالاحتفاظ بالكوب بين يديها، تاركة الحرارة تدفئ أصابعها، وسرحت بخيالها في كل ما لا يزال بانتظارها.
كان أمامها متسع من الوقت. الكثير من الوقت.
وهذا الوقت كان ملكاً لها وحدها.
بلا أكاذيب. بلا إهانات. وبلا رجل يوهمها بأنها تثير الاشمئزاز، أو أنها المخطئة، أو أنها لا تستحق الحب.
هي ونفسها فقط.
وكان هذا كافياً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *