صرخة العروس بعد منتصف الليل

الجزء الثاني
​صرخة العروس قبل منتصف الليل

​ساد الصمت أرجاء الغرفة.
التفت “رأفت” ببطء نحو ابنه “كريم”.
— “ماذا فعلت بها؟”
فتح كريم فمه ليجيب، لكن لم يخرج منه أي صوت.
تقدم “فاروق” بحذر داخل الغرفة وقال بصوت منخفض: “لنأخذها إلى مكان هادئ”.
أومأ رأفت برأسه، وساعد “ندى” بلطف على النهوض. كانت متكئة عليه وكأن عظامها قد نسيت فجأة كيف تحمل جسدها.
​بينما كانوا يقودونها نحو الباب، رفضت ندى تمامًا النظر إلى كريم. كان فستانها الأبيض يجر خلفها على الأرض كأنه طيف جريح.
أما أنا، فقد بقيت في الغرفة مع ابني.
قلت له: “كريم.. انظر إليّ”.
لكنه ظل يحدق في الأرض.
​— “أمي، أرجوكِ لا تسأليني الآن”.
— “بل سأسألك الآن!”
بدأت أنفاسه تضطرب.
لمح لمحاً في تلك اللحظة طفولته؛ رأيته في السادسة من عمره وهو يختبئ خلف ثوبي بعدما كسر نافذة الجيران. ورأيته في الثانية عشرة يبكي لرسوبه في امتحان الرياضيات. وفي السابعة عشرة، وهو يمسك رسالة قبوله في الجامعة بيدين ترتجفان.
​لطالما كان ابني جادًا، مجتهدًا، وبارًا. درس الهندسة المدنية، وبنى مسيرته المهنية في العاصمة، وكان يرسل المال إلى البيت عندما مرض والده رأفت، ويقبل جبيني في كل مرة يزورنا فيها.
ظننت أنني أعرفه حق المعرفة.. لكني كنت مخطئة.
​رفع عينيه أخيرًا. كانتا حمراوين وتملؤهما الدموع، لكن خلف تلك الدموع كان هناك شيء أكثر برودًا وقسوة.
همس قائلاً: “لم أكن أقصد أن يصل الأمر إلى هذا الحد”.
— “ماذا تعني؟”
— “أردت فقط أن تشعر بالخوف”.
دبت القشعريرة في جسدي لسماع كلماته.
​— “تخاف من ماذا؟”
تشنجت ملامح وجهه وهو يقول: “مما فعلته”.
— “فعلته بمن؟”
نظر نحو الممر الذي اختفت فيه ندى، وقال بصوت متحشرج: “كان يجب أن تدفع الثمن”.
شعرت وكأن الغرفة تدور بي: “ثمن ماذا؟”
هنا تحول صوت كريم إلى نبرة غريبة وجافة لم أعهدها فيه من قبل:
— “ثمن ما فعلته بـ ‘بسمة'”.
​وقع الاسم عليّ كالصخرة.
“بسمة”.
لم يتردد هذا الاسم في بيتنا منذ ما يقرب من ثلاث سنوات.
كانت بسمة حبيبة كريم السابقة؛ قبل ندى، وقبل انتقاله للعاصمة، وقبل هذه الخطوبة التي جعلتني أعتقد أن ابني قد وجد استقراره وسلامه أخيرًا.
​كانت بسمة تتسم بجمال حاد، وبعينين داكنتين تتفحصان كل مكان تدخله بنظرات فاحصة. كانت تنتمي لعائلة ثرية ونافذة، وتتعامل مع طيبة القلوب وكأنها اختراع ابتكره الفقراء ليشعروا بأن لهم قيمة. وقد أحبها كريم بفضول وشغف الشاب الأعزل الذي يخلط بين القسوة والرقي.
​ثم في ليلة وضحاها، اختفت بسمة. لم تختفِ جنائيًا، بل غادرت البلدة ببساطة. أخبرنا كريم حينها أنها انفصلت عنه، ولم يذكر اسمها مجددًا منذ ذلك الحين.. حتى هذه الليلة.
​حدقتُ فيه قائلة: “ما الذي فعلته ندى لبسمة؟”
أطلق ضحكة ساخرة، مكسورة وقبيحة: “حقًا لا تعرفين؟”
— “لا، لا أعرف”.
— “لقد دمرت حياتها”.
— “كيف؟”
وضع يديه على وجهه وقال: “بسمة أخبرتني بكل شيء. ندى شوّهت سمعتها، وتسببت في وضعها على القائمة السوداء، وأجبرت عائلتها على نفيها وإرسالها بعيدًا”.
بقيت مذهولة. “ندى؟!”
كانت الفكرة بحد ذاتها ضربًا من الجنون؛ فندى فتاة رقيقة لدرجة أنها تعتذر لقطع الأثاث إذا اصطدمت بها بالخطأ!
​أنزل كريم يديه وقال: “ليست كما تظنون”.
وقبل أن أتمكن من الرد، ظهر رأفت عند الباب وقال: “سهام.. ندى تريدكِ”.
لم أكن أريد ترك كريم بمفرده، لكن علامات الفزع على وجه رأفت جعلتني أتحرك فورًا.
​كانت ندى في غرفة الضيوف، تجلس على حافة السرير وزوجة فاروق تحتضن كتفيها. كان وجهها شاحبًا كالأموات.
وعندما رأتني، انفجرت بالبكاء مجددًا: “أنا آسفة يا خالتي.. أنا آسفة”.
جلستُ بجانبها بحذر وقلت: “لا يا ابنتي، ليس عليكِ الاعتذار عن شيء”.
شهقت قائلة: “لقد أخبرني أنه تزوجني فقط لينتقم لبسمة!”.
شعرت وكأن الهواء سُحب من صدري.
​تابعت ندى وهي ترتجف: “قال إنه انتظر عامين كاملين.. جعلني أثق به وأتعلق به، ليذيقني شعور أن يُسلب مني كل شيء في ليلة عمري”.
أمسكتُ بيدها بقوة: “وما الذي يظن أنكِ فعلتِه؟”
نظرت إليّ بعينين ملأهما الذهول والرعب: “لا أعلم!”.
ثم ابتلعت ريقها وتابعت: “ولكني أعرف من هي بسمة”.
تجمدت الدماء في عروق الغرفة.
— “تعرفينها؟”
أومأت ندى برأسها ببطء: “لقد كانت زميلتي في السكن الجامعي”.
بدأت دقات قلبي تتسارع: “وهي من أخبرت كريم أنكِ دمرتِ حياتها؟”
​— “لم أفعل!” انكسر صوت ندى وهي تتابع: “لقد حاولت إنقاذها! اكتشفت أن بسمة كانت تسرق أموال الطلاب؛ أموال المنح الدراسية، وصناديق الطوارئ، وحسابات التبرعات. واكتشفت الأمر لأنها زورت اسمي في إحدى التحويلات المالية، فقمت بالإبلاغ عنها دون ذكر اسمي لحماية أموال الطلاب وحماية نفسي”.
حدقتُ فيها بذهول: “وهل طُردت؟”
— “لا، قامت عائلتها الثرية بالتستر على الأمر، وسحبوا ملفها من الجامعة قبل انعقاد جلسة التأديب”.
— “وهل كان كريم يعلم بهذا؟”
— “لم أخبره أبدًا، ولم أكن أعلم حتى أنها كانت حبيبته السابقة إلا بعدما خطبني؛ رأيت صورتها بين أشيائه القديمة وسألته عنها، فقال إنها مجرد عابرة من الماضي”.
​أغلقت ندى عينيها قائلة: “ظننت أن الأمر انتهى”.
وهنا تسلل إدراك بارد مرير إلى عقلي.. الأمر لم ينتهِ قط.
لقد نسجت بسمة رواية كاذبة، وصدقها كريم دون تفكير. وبدل أن يتبين الحقيقة، وبدل أن يثق بالمرأة التي اختارها لِتُشاركه حياته، حوّل ليلة زفافهما إلى ساحة عقام وانتقام.
لقد نصب ابني فخًا، وزينه بالورود والمظاهر.
​نهضتُ واقفة، فتشبثت ندى بمعصمي باكتئاب: “أرجوكِ يا خالة.. لا تدعيه يقترب مني”.
نظرت إليها وقلت وعيني تفيض بالدموع: “يا ابنتي.. لن يلمسكِ بعد اليوم أبدًا”.
​عندما عدت إلى غرفة النوم، كان كريم يذرع الغرفة جيئة وذهابًا، بينما يراقبه رأفت بحذر من عند الباب.
بادرني كريم بحدة: “أين ندى؟”
— “في أمان”.
تصلبت ملامحه: “إنها تكذب عليكِ”.
— “لا يا كريم.. بل أنت الكاذب والمخدوع”.
تراجع إلى الوراء وكأنني صفعته: “أنا ابنكِ!”.
— “وفي هذه الليلة، أصبحت شخصًا لا يشرفني أن أعرفه”.
امتلأت عيناه بالدموع مجددًا: “أنتِ لا تعرفين حجم المعاناة التي عاشتها بسمة!”.
— “وهل كلفت نفسك عناء البحث عن دليل واحد؟”
ساد الصمت.
— “هل سألت ندى واستمعت لوجهة نظرها؟”
أطبق على فكيه بقوة.
— “هل حققت في أي شيء قبل أن تتزوج فتاة بريئة لمجرد الانتقام؟”
صرخ فجأة بأعلى صوته: “بسمة كانت تحبني!”.
كشفت النبرة اليائسة في صوته عن الحقيقة المرة؛ لم يكن الأمر يتعلق بالعدالة أو النصرة.. بل كان هوسًا مرضيًا يرتدي بدلة زفاف.
قلت له بهدوء وصدمة: “بسمة استغلتك يا كريم”.
— “لا!”.
— “لقد خدعتك”.
— “مستحيل!”.
​وفي تلك اللحظة، اهتز هاتفه على الأرض معلنًا وصول رسالة.
تطلعت أنظارنا جميعًا نحو الشاشة.
اسم المرسل: بسمة.
اندفع كريم ليلتقط الهاتف، لكن رأفت كان أسرع؛أمسك بمعصم كريم بقوة ومنعه.
— “أرنا الرسالة”.
حاول كريم المقاومة، فتدخل فاروق مسرعًا، ومعًا تمكنا من وضع الهاتف فوق الطاولة.
أضاءت الشاشة برسالة بسيطة لكنها كانت كفيلة بهدم كل شيء:

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *