غدر على نار هادية١ – منى السيد

حكايات مني السيد حصري
جوزي زقني على حلة الشوربة وهي بتغلي على النار لمجرد إني رفضت أبيع بيت أبويا الله يرحمه. وأمه كانت قاعدة وشايفاني بصرخ وقالت ببرود أهي تتربى وتبطل أنانية بقى! بعدها بأسابيع، بص على دراعاتي الملفوفة بالشاش وقالي بكل قسوة إنه عايز يطلق أنا متجوزتش واحدة مشوهة….
الصرخة اللي طلعت مني حسيت إنها مش صوتي أصلاً. ثانية واحدة كنت واقفة جنب البوتاجاز بقول لطارق على جثتي أبيع شقة أبويا، وفي اللحظة اللي بعدها، لقيت إيديه بتدفعني بغل من ظهري، وقعت بكامل جسمي على حلة شوربة كبيرة بتغلي على النار.
الحلة مالت ووقعت عليا وأنا بحاول أتشعبط في الرخامة. المية المغلية طرطشت على نص وشي الشمال ونزلت على رقبتي وكتفي ودراعي، والهدوم لزقت في جلدي. وقعت في الأرض وأنا بحاول أشد القماش بعيد عن اللحم المحروق، وطارق واقف فوق راسي أنفاسه طالعة نازلة بشر.
حماتي سميحة كانت قاعدة على ترابيزة المطبخ، متابعة اللي بيحصل بمنتهى الهدوء، وقالت أهي تتعلم الأدب وتبطل أنانية وشوفان حال.
فضلت أصرخ وأترجاهم يطلبوا الإسعاف. حماتي مسكت موبايلي حطته جنبها، وجابت فوطة وبدأت تمسح الرخامة ببرود عمري ما هنساه. طارق عدل الحلة وشالها مكانها، ولما صوتي راح من كتر الصراخ وبدأ جسمي يتنفض، مسك التليفون وطلب الإسعاف. حكايات_مني_السيد
قال للمسعف في التليفون الحقونا، مراتي اتكعبلت والشوربة وقعت عليها بالغلط حصري على صفحة روايات و اقتباسات
في قصر العيني، الدكاترة والتمريض اتلموا حواليا بيسعفوا الحروق، وطارق كان عايش دور الزوج المنهار قدام الكل. يوطي عليا ويقول حبيبتي يا بنتي، ربنا يشفيكي، وكان بيعصر كف إيدي السليم بكل غل عشان يفهمني إني لو نطقت حرف هندم. وحماتي كانت بتكرر نفس الكلام للناس
البت مهملة وبتتحرك بعصبية ووقعت على نفسها.
تسع أيام كاملة في المستشفى مكنتش بفتح بؤي بكلمة. أبويا الله يرحمه الحاج كمال علمني زمان إن الخوف والارتباك هما اللي بيضيعوا الحق، وإن السكوت وقت الصدمة يخليك ترتب صح. أبويا قبل ما يموت كان مركب كاميرا صغيرة في المطبخ، من بعد ما طارق بدأ يستقوى ويكسر حاجات في البيت وقت خناقاتنا ويقول بالغلط. طارق كان عارف الكاميرا اللي متعلقة فوق الدولاب، بس اللي مكنش يعرفه إن أبويا كان موصل جهاز التسجيل وال DVR في مخزن الكراكيب تحت بير السلم ومقفول عليه بقفل ميعرفش طريقه غيري.
من على سرير المستشفى، استغليت غيابهم وطلبت من الممرضة تصور كل حروقي وتمنع أي حد من أهله ياخد تقاريري الطبية. بعدها اتصلت بالأستاذة سحر، المحامية اللي كانت ماسكة كل شغل والدي.
قلت لها بصوت واطي متواجهيش طارق بأي حاجة دلوقتي، أول خطوة تعمليها تفرضي حراسة وتحفظ على البيت والشقة عشان ميعرفش يلعب في ورقهم ولا يبيع ولا يرهن قيراط واحد.
الأستاذة سحر جابت قرار سريع ومستعجل بمنع التصرف في الملكية. لما الإخطار وصل لطارق، افتكر إن ده كل اللي حيلتي وإني بدافع بالورق بس، ومكنش متخيل البركان اللي بيتحضرله في الخفاء.
بعد تلات أسابيع، دخل عليا أوضة العلاج الطبيعي وماسك في إيده ورقة طلاق. بص لدراعاتي والضمادات والشاش اللي مغطي جلدي بقرف وقالي أنا متجوزتش واحدة ناقصة ومشوهة عشان أكمل معاها. نخلص بالمعروف وتنازلي عن البيت عشان نسد ديوننا ونفترق بالهدوء.
مردتش عليه، ولا عاتبته بنص كلمة.
مديت إيدي السليمة ومضيت على استلام إعلان الطلاق، وبصيت في عينيه وقلت له اعمل اللي شايفه يريحك يا ابن الناس.
ابتسامته الخبيثة رجعت لوشه وافتكر إنه كسب كل حاجة وخرج وهو رافع راسه، وهو مش داري إني مجهزة له الفخ اللي هيدمره تماماً ووو……..حكايات_مني_السيد
خرج طارق من باب أوضة العلاج الطبيعي وخطوات جزمته بترن في الممر الطويل، رنة فيها كل معاني الغرور والانتصار الزائف. كان فاكر إنه داس عليا وكسرني، وفاكر إن التوقيع اللي خده على إعلان الطلاق هو صك الاستسلام اللي هيفتحله باب شقة أبويا على مصراعيه. أول ما الباب اتقفل وراه، غمضت عيني، وأول مرة من يوم الحادثة محستش بألم الشاش واللحم المشدود تحت المراهم؛ الوجع كله اتبخر وحل مكانه تلج صافي وهدوء غريب، هدوء ما بعد الصدمة اللي بيتحول لخطة.
الأستاذة سحر دخلت الأوضة بعد نص ساعة بالظبط، قفلت الباب وراها بالمفتاح وقعدت على الكرسي الخشب اللي جنب السرير، طلعت نضارة القراءة من شنطتها وبصت في وشي بحزم مشي؟
هزيت راسي ببطء وقلت لها بصوت هادي كأنه طالع من بير غويط مشي يا سحر، وفاكر نفسه خلاص بلع اللقمة وخرج كسبان.
سحر فتحت ملف جلد أسود كان في إيدها، وطلعت منه كذا ورقة رسمية وقالت القرار المستعجل بمنع التصرف في البيت اتسجل النهاردة الصبح في الشهر العقاري والمحكمة، يعني طارق لو قلب الدنيا عاليها واطيها مش هيعرف يبيع طوبة واحدة ولا حتى يأجر مدخل العمارة. بس السؤال الأهم يا نورا.. الهارد والتسجيلات وضعهم إيه؟ خايفة يكون فكر ينزل المخزن أو يشم خبر بحاجة.
ابتسمت نص ابتسامة من تحت الشاش اللي رابط رقبتي طارق مبيفكرش غير في اللي قدام عينه بس. هو غبي وفاكر إن الكاميرا اللي فوق دولاب المطبخ محروقة ومفصولة من يوم ما أبويا اتخانق معاه، وكل اللي عمله إنه طلع بعد الحادثة بيوم قطع السلك الخارجي ورماه في الزبالة عشان يريح ضميره ويطمن إنه مسح الدليل. ميعرفش إن أبويا الله يرحمه كان خايف عليا منه من أول شهر جواز، وميعرفش إن السلك اللي قطعه ده كان تمويه، والتسجيل الحقيقي رايح على خط تاني خالص متوصل بال DVR اللي تحت السلم ورا كراتين العفش القديم، ومتشفر بباسورد محدش في الدنيا يعرفه غيري.
سحر حطت إيدها على كتفي السليم وقالت بجدية إحنا مش هنتحرك حركة واحدة غلط. طارق لسه بيتحامى في شهادة أمه سميحة، والاتنين متفقين قدام النيابة في المحضر المبدئي إنك وقعتي لوحدك وإنها كانت حادثة منزلية عادية، والتقرير الطبي بتاع المستشفى لحد دلوقتي كاتب حروق من الدرجة التالتة بادعاء سقوط سوائل مغلية. يعني لو نزلنا بالفيديو دلوقتي على طول في النيابة، محاميه ممكن يطعن ويقول التسجيل ملعوب فيه أو يطلب تفريغ ويماطل في القضية لحد ما طارق يهرب أو يتصرف في أي حاجة تانية باسمه.
قلت لها لأ يا سحر، أنا مش عايزة طارق يتحبس شهرين بتهمة ضرب أفضى لعاهة ويخرج

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *