غدر على نار هادية١ – منى السيد

لمحة نيوز

بكفالة كأنه مكسرش روحي. أنا عايزاه يغرق في البير اللي حفره بإيده، وعايزة حماتي تدفع تمن البرود اللي كانت بتمسح بيه الرخامة وأنا بصرخ تحت رجليها.
قعدنا ساعتين بنرتب لكل خطوة ولكل يوم من الأيام اللي جاية.
بعد أسبوعين، خرجت من المستشفى. مروحتش على شقة الزوجية طبعاً، روحت على شقة خالتي في المنيل، مكان مقفول وهادي ومحدش يعرف إني موجودة فيه غير سحر وممرضة خاصة بتيجي تغيرلي على الحروق مرتين في اليوم. في نفس الليلة اللي رجلي خطت فيها شقة خالتي، طلبت من ابن خالتي أحمد، وكان شاب مبيسيبش حقه وبيفهم في الإلكترونيات كويس، ينزل بالليل على عمارة والدي ويدخل المخزن من الباب الخلفي.
أحمد رجع بعد ساعتين بالظبط، وفي إيده الهارد ديسك الصغير الأسود وعليه كابلاته. حطينا الهارد على اللاب توب، وإيدي كانت بتترعش وأنا بكتب الباسورد اللي والدي سابهولي في دفتر ذكرياتي القديم. أول ما الملفات فتحت والتاريخ ظهر قدامنا، حسيت بقلبي هيقف.
شغلت تسجيل يوم الحادثة بالدقيقة والثانية.
الصورة كانت واضحة لدرجة تخض، بالألوان وبأعلى جودة، والصوت نقي لدرجة إن خروشة البوتاجاز كانت باينة. شفت نفسي في الشاشة واقفة بقلب الشوربة وبقوله بحزم دي شقة أبويا وعرقه، ومش هبيعها عشان تسد قمارك وديون أصحابك. وشفت طارق وهو بيقرب من ضهري وعينه بتطق شرار، وشفت اللحظة اللي مد فيها إيديه الاتنين وزقني بكل ما فيه من قوة وغل على الحلة، وشفت صرختي، وشفت أمه سميحة وهي قاعدة بتشرب شاي، وشفت وشها البارد وهي بتقول أهي تتربى وتبطل أنانية بقى! وشفتها وهي بتقوم بكل برود تاخد تليفوني تحطه في جيب جلابيتها، وتبل فوطة من الحنفية وتمسح الرخامة عشان تطمس أي أثر للبصمات أو الصراع، وهو بيعدل الحلة وبيظبط هدومه قبل ما يمسك التليفون يطلب الإسعاف ويمثل دور الملهوف.
أحمد ابن خالتي كان بيغلي، ودماغه كانت هتفرقع من الغيظ وقام وقف وقال ابن الكلب! أنا هنزل أديله علقة موت وأرميه في أي مقلب زبالة!
مسكت إيده بقوة وقلت له تقعد مكانك يا أحمد. الضرب مش هيرجعلي جلدي اللي اتحرق، ومش هيوجعه ربع الوجع اللي وجعهولي. طارق وسميحة لازم يدخلوا اللعبة برجليهم، ولازم نهايتهم تكون بالقانون اللي كانوا فاكرين إنهم ضاحكين عليه.
نسخنا الفيديو على خمس فلاشات، وشيلنا الهارد الأصلي في خزنة حديد عند الأستاذة سحر، وبدأنا مرحلة اللعب على المكشوف بس بذكاء.
طارق في الفترة دي كان فاكر إني خلاص بقيت ست مكسورة، معزولة عن الدنيا ومستنية الإحسان. بدأ يروح وييجي على العمارة، ولما لقى إنه مش عارف يحط إيده على الشقة بسبب قرار التحفظ، بدأ يستفزني برسايل على الواتساب من أرقام مختلفة مش هتعرفي توقفي حالي، والبيت ده هيتباع يعني هيتباع، وإنتي خليكي قاعدة في ضلك تلملمي في جلدك المحروق، محدش هيبصلك تاني في الدنيا.
كل رسالة كان بيبعتها، سحر كانت بتاخدها سكرين شوت وتوثقها في محضر سب وقذف وترويع مجني عليها.
وفي يوم، سميحة حماتي قررت تعمل نمرة من نمرها القديمة. اتصلت بخالتي وقالت لها بصوت مليان مسكنة وخبث يا أختي احنا عايزين نصلح اللي انكسر، وطارق ابني والله ندمان وبيعيط ليل ونهار، وحقه عليكي يا نورا ده إنتي بنتنا، تعالي نتقابل ونتصالح والصلح خير، وبدل المحاكم والشوشرة اللي ملهاش لازمة، نبيع البيت بالمعروف ونقسم الفلوس بما يرضي الله وتعيشوا معززين مكرمين.
كنت سامعة الصوت من السبيكر، وأشرت لخالتي ترد عليها باللي اتفقنا عليه نورا تعبانة ومش قادرة تتكلم، بس المحامية بتاعتها هتبلغكم بميعاد جلسة الاتفاق الودي في مكتبها عشان تخلصوا كل حاجة رسمي ومحدش يوجع دماغه.
سميحة صدقت النعومة، ونقلت لطارق إننا خلاص بنجيب ورا وعايزين نخلص وناخد أي قرش وخلاص. طارق اتغر أكتر وأكتر، وافتكر إنه كدة حقق كل أهدافه هيطلقني ويخلص من مسؤوليته، وهيبيع الشقة وياخد نصيبه ويسدد ديونه ويسافر يكمل حياته زي الباشا.
في خلال الأسبوعين اللي بعدهم، بدأت أخرج تدريجياً. كنت بنزل مع سحر نروح الشهر العقاري ونعمل توكيلات، ونروح الطب الشرعي عشان نثبت نسبة العجز المبدئية ودرجة الحروق. لما الدكتورة في الطب الشرعي كشفت عليا وشافت الحروق على رقبتي ودراعي، عنيها دمعت وقالت لي ده مش سقوط مية عادية يا بنتي، الدفع كان فيه تعمد مباشر لزاوية النار. ربنا يعوضك خير.
قلت لها بثبات الخير جاي يا دكتورة، المهم التقرير يتكتب بما يرضي الله وبالتفصيل الممل.
الأستاذة سحر طلبت تقرير فني من خبير أدلة جنائية معتمد لفحص التسجيل وضمان سلامته الرقمية، عشان لما يتقدم في الجلسة ميبقاش فيه مخرج لطعن بالتزوير أو القص واللصق. الفيديو كان معاه تقرير هاش كود وتأكيد عدم وجود أي تعديل، وصوت طارق وأمه سميحة كان واضح ومطابق تماماً للبصمة الصوتية بتاعتهم.
طارق من ناحيته، كان بيستعجل جلسة الطلاق الرسمية ودعوى النفقة والتعويض اللي احنا كنا رفعناها شكل في الأول عشان نلهيه عن القضية الجنائية الأساسية. كان رايح جاي على المحكمة ومأجر محامي من بتوع الحيل الرخيصة، وبيقول لكل معارفنا في المنطقة الست دي كانت مجنونة ومبهدلة البيت ووقعت حلة الشوربة على نفسها من غبائها، وعايزة تلبسني مصيبتها وتبتزني في فلوس والدي!
الناس كانت بتسمع منه وفيهم اللي صدق وفيهم اللي شكك، وأمه كانت ماشية توزع شربات في الشارع وتقول للنسوان ربنا نجى ابني من الست المنكوبة دي، بكرة أجوزه ست ستها بست الحتة كلها وتملى عليه البيت عيال.
الكلام كان بيوصلني كلمة بكلمة، ومكنتش بتعصب ولا بنهار؛ بالعكس، كل كلمة كانت بتزودني إصرار إني أخليهم يوصلوا لقمة الفرحة المزيفة، عشان الوقعة من فوق تكون مدمرة وملهاش علاج.
مرت خمس شهور ونص، والشهور دي كانت عبارة عن جلسات علاج مؤلمة، وتجهيز لملف قضية مفيش فيه ثغرة واحدة. طارق كان خلاص مفكر إن الموضوع انتهى عند تعويض مدني وخناقة على ورث، وكان مستني اليوم اللي هيقف فيه قدام القاضي عشان ينهي إجراءات الحراسة على البيت بحكم قضائي بعد ما قدم أوراق ومستندات مزورة بتدعي إنه صرف ملايين على علاجي وإنه مديون بسببي.
وقبل ميعاد الجلسة الحاسمة بأسبوعين، سحر طلبتني في التليفون وقالت لي بجملة واحدة رجعت الدم في عروقي جهزي نفسك يا نورا.. النيابة وافقت على ضم التسجيل والبلاغ الجنائي رسمي للملف، وجلسة الأسبوع الجاي مش هتكون جلسة مدنية عادية..
دي هتكون كمين طارق الأخير.

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *