غدر على نار هاديه ٢- منى السيد
ليلة المحاكمة دي كانت أطول ليلة عدت عليا في حياتي كلها. عقارب الساعة في صالة شقة خالتي كانت بتتحرك ببطء يقطع الأعصاب، وتكتكتها بترن في ودني زي دقات طبلة الحرب. كنت قاعدة على الكنبة القديمة، ساندة راسي على المخدة، وجنبي أحمد ابن خالتي والأستاذة سحر قاعدين على الترابيزة بيراجعوا الملف لآخر مرة، وكل شوية يقلبوا ورقة ويسجلوا ملاحظة في الهامش.
محدش فينا كان بينام. كانت الشوارع تحتنا هادية تماماً، بس جوايا كان في غليان ملهوش آخر. بصيت في المراية الكبيرة اللي قدامي؛ شفت رقبتي وجزء من خدي الشمال ودراعي اللي لسه علامات الحروق سايبة فيهم أثر وردي داكن ومكرمش زي خريطة قديمة محفورة بالوجع. بس الغريبة إني لأول مرة من ست شهور، مبقتش شايفة الأثر ده كعلامة ضعف أو تشوه زي ما طارق كان بيعايرني، شفته ختم الصبر والقصاص اللي خلاص قرب أوانه.
سحر قفلت الملف بضربة كف خفيفة على الورق، وبصتلي من ورا نضارتها وقالت نامي ساعتين يا نورا.. إحنا معانا كل ورقة، وكل توكيل، والتسجيل المفرغ المعتمد من خبراء اتحاد الإذاعة والتليفزيون والطب الشرعي في الحفظ والصون. بكرة مش محتاجين منك غير الثبات التام. طارق وأمه هيدخلوا مقتنعين إنها مجرد جلسة فض نزاع مدني وحراسة مستعجلة، وميعرفوش إن النيابة جهزت كل خيوط الجناية وضمت القضيتين في جلسة واحدة بطلب استدعاء مفاجئ.
هزيت راسي بهدوء، ومحاولتش أنام؛ قعدت استنى الفجر لحد ما أذن، صليت ودعيت من قلبي إن ربنا يبرد ناري ويجيب حقي وحق عرق أبويا اللي كانوا عايزين يسرقوه على جثتي.
أول ما الشمس طلعت، لبست طقم رمادي شيك ومحتشم، وجاكت طويل بكم يغطي كل أثر للشاش والضمادات. حطيت إيشارب أسود ولفيته على رقبتي بعناية. مكنتش عايزة حد يشوف أثر الوجع قبل ما يشوفوا جبروت الحق في القاعة.
وصلنا مجمع محاكم الجيزة في ميدان الجيزة قبل الميعاد بساعة. المحكمة كانت بتغلي من الصبح أصوات الناس رايحة جاية، المحامين بشنطهم الجلد السودا، وبوابات التفتيش بتصفر كل ثانية. أول ما دخلنا الدور التاني ووقفنا في الطرقة الطويلة اللي قدام القاعة ب، لمحتهم من بعيد.
طارق كان واقف لابس بدلة كحلي متفصلة، وشعره متسرح بجل، وماسك في إيده كوباية قهوة سفري وموبايله الجديد في الإيد التانية، عمال يضحك ويتنطط بصوت عالي مع محاميه كأنه جاي يستلم شيك على بياض أو يحتفل بنجاحه في صفقة العمر. وجنبه أمه، الست سميحة، لابسة عباية سودا مطرزة بفصوص ومفصصة دهبها في إيديها الاتنين، وبتبص حواليها بقرف كأنها ملكة متوجة مجبورة تقف وسط الناس الغلابة.
أول ما عين سميحة جت في عيني، ملامحها اتغيرت شوية من المفاجأة، بعدين وشها اتملى سخرية واستهزاء. لكزت طارق في دراعه وقالت بصوت مسموع في الطرقة كلها بص كده يا طارق مين شرفت.. الهانم اللي كانت بتموت في المستشفى جاية بنفسها! باين عليكي لسه فاكرة إن المحاكم هترجعلك شبابك ولا حيلتك حاجة غير الشحاتة!
طارق التفت، حط إيده في جيب بنطلونه، وبصلي من فوق لتحت بنظرة احتقار مسمومة، وقرب خطوتين وقال نورا.. إنتي لسه فيكي حيل تلفي ورايا؟ ما تريحي نفسك وتكتبي التنازل وتاخدي القرشين اللي عرضتهم عليكي بدل ما تخرجي من هنا ممعاكيش حق الأجرة ولا حتى حق مراهم الحروق اللي مبهدلة وشك دي؟ إنتي فاكرة سحر المحامية هتعملك معجزة؟ الشقة دي هندخلها النهاردة، وبكرة الصبح العقد هيتسجل والمشتري مستني بالشنطة.
مردتش عليه ولا رمشت. بصيت في عينيه بنظرة تلج مفيهاش أي تعبير. أحمد ابن خالتي كان هيتحرك لقدام وعضلات وشه مشدودة، مسكت دراعه بإيدي الشمال وهمست له سيبه ينبح براحته يا أحمد.. الشبعان مبيخطفش، وسيبه يفتكر نفسه كسبان لحد ما باب القاعة يتقفل عليه.
محاميه، راجل أقرع بشنب ولابس بدلة مهلهلة، قرب من طارق وقاله بصوت واطي سيبك منها يا أستاذ طارق، ورقنا ميتخرمش، ومعانا فواتير العلاج ومحضر الصدمة العصبية، القاضي مش هياخد عشر دقايق وهيحكم بإنهاء الحراسة ونبيع بالمزاد أو بالتراضي، وساعتها مش هتقدر تنطق.
فجأة، الحاجب فتح باب القاعة بصوت مدوي وقال محكمة! قضية رقم 3412 لسنة 2026.. نورا كمال السلاب ضد طارق إبراهيم الصاوي!
دخلنا القاعة. الجو كان فيه ريحة الورق القديم والخشب المحروق من كتر السنين، والتكييفات بتزن بهدوء. القاضي كان راجل هيبة، شعره أبيض تماماً ونظرته حادة بتخترق أي حد يبص له، وجنبه أعضاء اليمين والشمال ووكيل النيابة قاعد على منصته الخاصة وفي إيده ملف سميك أحمر مكنش موجود في الجلسات العادية بتاعة قضايا المدني.
طارق قعد في الصف الأول من ناحية اليمين هو وأمه ومحاميه، وكانوا بيتساسروا ويضحكوا بخبث، وأنا قعدت في الصف الشمال وجنبي الأستاذة سحر وأحمد.
القاضي قلب في الورق المبدئي وبص للمنصة الدفاع عن المدعي عليه، اتفضل قول طلباتك في دعوى رفع الحراسة.
محامي طارق وقف بكل ثقة ونفخ صدره سيدي القاضي، موكلي الأستاذ طارق راجل أعمال محترم، كان زوج مخلص للمدعية. تعرض لمأساة لما المدعية قامت بتصرف طائش وغير مسؤول، وأسقطت على نفسها إناء ماء مغلي في المطبخ نتيجة اضطراب نفسي وعصبي مثبت في بعض الإفادات. موكلي صرف دم قلبه على علاجها، وأمه الفاضلة كانت بترعاها، لكن المدعية بدلاً من الشكر رفعت دعاوى كيدية