غدر على نار هاديه ٢- منى السيد

الكبيرة اللي على الحيطة في مواجهة المنصة.
طارق قعد يبلع في ريقه ووشه بقى شاحب زي الأموات، وجسمه بدأ يترعش بجد. أول ما الشاشة نورت، ظهر المطبخ.. التاريخ والساعة كانا واضحين في زاوية الشاشة. ظهرت أنا واقفة عند البوتاجاز، باينة الحلة بتغلي والبخار طالع منها. الصوت كان واضح كأننا جوة المطبخ دلوقتي دي شقة أبويا وعرقه، ومش هبيعها عشان تسد قمارك وديون أصحابك.
بعدها بثانية واحدة، ظهر طارق وهو بيقرب من ورايا، وشه باين فيه الغل، وحط إيديه الاتنين في ضهري ودفعني بقوة غاشمة ناحية النار. الصرخة اللي طلعت مني في الفيديو ملت قاعة المحكمة كلها، صرخة تهز الجبال. الحلة انقلبت، والسائل نزل عليا، ووقعت في الأرض بتلوى من الألم. وفي نفس اللحظة، ظهرت سميحة وهي قاعدة بتشرب شاي، وحطت الكوباية وقالت بكل وضوح وصوتها مطابق تماماً أهي تتربى وتبطل أنانية بقى! وشفناها في التسجيل وهي بتمد إيدها تاخد التليفون بتاعي ببرود، وبتمسك الفوطة وتبدأ تمسح البقع من على الرخامة عشان تطمس المعالم، وطارق واقف بيعدل الحلة وبيظبط هدومه قبل ما يمسك تليفون البيت ويتصل بالإسعاف ويمثل دور الملهوف.
التسجيل خلص.
القاعة سكتت سكوت تام، كأن ملك الموت دخل ومحدش قادر يتنفس. حتى المحامي بتاع طارق قفل ملفه بهدوء ورجع خطوتين لورا وهو باصص في الأرض، رافض يرفع عينه في وش القاضي أو في وش موكله.
سميحة قعدت على الدكة تلطم على وشها من غير صوت، وطارق رجليه مكنتش شايلاه، فضل يمسك في الدربزين الخشب بتاع القفص ويقول بتأتأة مش مفهومة يا بيه.. والله العظيم ساعة شيطان.. أنا مكنتش أقصد أحرقها.. هي اللي عصبتني.. هي اللي استفزتني ومرديتش تديني حقي في البيت!
القاضي وقف، وعيونه بتلمع بالغضب والعدل، وبص لطارق وأمه وقال بصوت هز سقف القاعة حق إيه اللي تديهولك؟! تديك حقها بعرق أبوها عشان تسد بيه طمعك ودناءتك؟! ده انت نزعت من قلبك كل معاني الرحمة والرجولة، والست اللي ربيتك دي نزعت من قلبها حتى غريزة الأمومة والإنسانية!
القاضي خبط بالشاكوش تلات خبطات مدوية وقال بعد الاطلاع على الأوراق ومطالعة التسجيل الفني الموثق وتقرير الطب الشرعي أولاً رفض دعوى رفع الحراسة، وتثبيت الحراسة القضائية التامة على العقار لصالح المدعية نورا كمال السلاب، وإلزام المدعى عليه بكافة التعويضات المدنية المؤقتة وقدرها مليونا جنيه مصري. ثانياً إحالة أوراق القضية برمتها والمدعى عليهما طارق إبراهيم الصاوي وسميحة عبد الرحمن النجار إلى محكمة الجنايات العاجلة محبوسين، بتهم الشروع في القتل مع سبق الإصرار والترصد، وإحداث عاهة مستديمة عمدية، وطمس معالم جريمة، والإدلاء بشهادة زور وتضليل العدالة! تأمر المحكمة بالقبض على المتهمين من داخل الجلسة وإيداعهما حجز المحكمة فوراً! رفعت الجلسة!
أول ما القاضي نطق بكلمة القبض على المتهمين، عساكر الحرس دخلوا القاعة زي البرق. كلبشات الحديد كانت بتلمع وهي بتتقفل في إيد طارق اللي كان بيعيط بهستيريا ويصرخ أبوس إيدك يا نورا! سامحيني! والله العظيم هكتبلك كل حاجة ومش عايز حاجة من الدنيا، متودينيش في داهية! ارحميني عشان خاطر ربنا!
وأمه سميحة كانت بتصرخ وهي بتتشد من العساكر الحقني يا طارق! يا نهار أسود، هيحبسوني على كبر يا فضيحتي في المنطقة!
بصيت لطارق وهو متكلبش وبيجرجروه على السلالم المؤدية لحجز المحكمة. قربت منه خطوة واحدة، وبصيت في عينيه المليانة رعب وذل، وقلت له بنفس النبرة الهادية اللي مسمعهاش مني من ست شهور قولتلي قبل كده إنك متتجوزش ست مشوهة وناقصة.. ودلوقتي إنت وأمك داخلين السجن مجرمين، مقيدين، وناقصين كرامة وشرف وعمر مش هتشوفوا فيه النور تاني. شقة أبويا دي اللي كنت عايز تسرقها، هتبقى هي السجن اللي هيفضل يطاردك في كوابيسك لحد ما تموت.
خرجت من باب المحكمة، وشمس القاهرة الدافية كانت نازلة على وشي. الهواء كان نقي ومختلف، والحرقة اللي كانت في قلبي اتقفلت عليها كل الأبواب. بصيت للسما وابتسمت، وحسيت بروح أبويا حواليا كأنه بيطبطب على كتفي السليم وبيقولي رفعتي راسي وبنت أبوكي بجد. مسكت إيد سحر وأحمد، ومشينا في وسط الناس وإحنا رافعين راسنا، بعد ما كل واحد خد جزاءه بالمليم وما ضاع حق وراه مطالب.

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *