على مدى عامين كاملين

عـلى مـدى عامـين كاملـين، كانت سـلمى تحـمل الطعـام إلى جارتها المسنة… لكن عندما دخلت شقتها أخيرًا بعد وفاتها، ما وجدته على السرير جعلها تبكي.
في اليوم الذي توقفت فيه سيارة الإسعاف أمام المبنى القديم، وجاءت امرأة بشفاه مطلية بلون أحمر صارخ تسأل، قبل أن يبرد الجسد حتى، عن أوراق ملكية الشقة، شعرت سلمى بغضب عميق كاد يخنق أنفاسها.
كانت الحاجة أمينة، المرأة ذات الاثنين والثمانين عامًا التي تعيش في الشقة رقم 302، قد ماتت وحدها. وأول صوت جاء يطالب بها لم يكن يحمل حزنًا… بل جوعًا للميراث. حكـايات أسمـا السيـد
كانت الحاجة أمينة تعيش في عمارة قديمة في حي السيدة زينب بالقاهرة، من تلك العمارات التي تفوح ممراتها برائحة الرطوبة في الشتاء، حيث تخبئ الأبواب أسرارًا أكثر مما تخبئه صناديق الذكريات، وحيث يمكن للجيران أن يسمعوا سعال بعضهم لسنوات دون أن يعرفوا أسماء بعضهم.حكـايات أسمـا السيـد
لم يكن أحد يلاحظها حقًا.
كانوا يرونها أحيانًا وهي تعبر بسلم الدرج ببطء، تجر قدميها قليلاً، ترتدي سترة صوفية حتى في الأيام الدافئة، وشعرها الأبيض ممشط بعناية. كانت تحمل كيسًا صغيرًا من الخضار معلقًا في معصمها، وكأنه أثقل مما يبدو.
لم تكن تستقبل زوارًا.
ولا تخرج إلا للضرورة.حكـايات أسمـا السيـد
لم يكن يُسمع من شقتها صوت تلفاز، ولا موسيقى، ولا ضحكات، ولا حتى حديث عابر.
الشيء الوحيد الذي كان يُسمع هو صرير بابها حين يُفتح قليلًا كل مساء… ثم صوت القفل وهو يُغلق من جديد.
لكن سلمى كانت تهتم.
ليس لأنها ملاك، ولا لأن لديها وقتًا فائضًا… بل لأن شيئًا في تلك المرأة كان يضغط على قلبها.
ربما كانت الطريقة التي تخفض بها الحاجة أمينة عينيها عندما يلقي أحد التحية، وكأنها لا تتوقع ردًا.
أو ربما كانت تلك الوحدة الواضحة جدًا… لدرجة أن النظر إليها طويلًا كان يبعث على الحرج.
أول مرة تحدثت معها كانت عندما عادت سلمى من السوق الشعبي في ظهيرة يوم حار.
رأت الحاجة أمينة تحاول صعود الدرج حاملة كيسًا فيه برتقال وطماطم، وكيس حليب، وعلبة بيض بدأت البيضات فيها تتصادم ببعضها.
توقفت العجوز عند أول بسطة من الدرج، تتنفس بصعوبة.
ركضت سلمى فورًا وأمسكت الكيس.
قالت لها:
— دعيه لي، سأحمله عنك.
رفعت الحاجة أمينة رأسها بحذر، كمن تعلّم ألا يثق بسهولة في المساعدة… لكن التعب كان أقوى.
أومأت ببطء.
رافقتها سلمى حتى باب الشقة 302.
وعندما رأت يديها المرتجفتين تبحثان عن المفتاح، شعرت بدافع غريب… دافئ… يشبه شعور العائلة.
في تلك الليلة، بعدما تبقى لديها قليل من شوربة الدجاج بالخضار، طرقت بابها وهي تحمل علبة طعام دافئة.
انفتح الباب قليلاً فقط.
خرج أولًا هواء البيت المغلق منذ سنوات، ثم ظهرت عينان فاتحتان، متعبتان… ومندهشتان.
قالت سلمى مبتسمة:
— أحضرت لك قليلًا من الشوربة… طبخت أكثر مما أحتاج.
أمسكت الحاجة أمينة بالعلبة بكلتا يديها، وكأنها تمسك شيئًا هشًا وثمينًا.
وقالت بصوت خافت:
— أنتِ طيبة جدًا يا ابنتي… مر وقت طويل منذ أن قدّم لي أحد طعامًا مطبوخًا في البيت.
ابتسمت سلمى، ولمحت خلف الباب مجرد ظل من داخل الشقة… قبل أن يُغلق الباب مجددًا.
ظنت أن الأمر كان مجرد موقف عابر.
لكنه لم يكن كذلك.
في اليوم التالي أحضرت لها فولًا مطبوخًا وأرزًا.
ثم في يوم آخر خبزًا طازجًا.
وفي مساء ممطر كوبًا من شاي القرفة.
وفي بعض أيام الجمعة قطعة حلوى من المخبز.
وهكذا، دون اتفاق بينهما، تشكلت عادة استمرت عامين كاملين.
كل مساء تقريبًا، عند الساعة السادسة، كانت سلمى تطرق باب الشقة 302.
أحيانًا كانت الحاجة أمينة تفتح الباب قليلًا أكثر، حتى يظهر نصف خدها.
وأحيانًا كانت تخرج يدها فقط.
لكنها كانت دائمًا تشكرها.
ودائمًا تبتسم ابتسامة دافئة… كأنها تعتذر عن وجودها.
لكنها لم تسمح لها بالدخول أبدًا.
حاولت سلمى عدة مرات بلطف حتى لا تحرجها.
— ألا تريدين أن أساعدك قليلًا في تنظيف البيت يا حاجة أمينة؟
— لا يا ابنتي… أنا بخير هكذا.
— أضع لك الشوربة في طبق؟
— لا، لا… أستطيع أنا.
— متأكدة؟ حتى لو لخمس دقائق فقط.
— يومًا آخر يا ابنتي… ليس اليوم.
لكن ذلك “اليوم الآخر” لم يأتِ أبدًا.
وبدأ الناس في العمارة يتحدثون.
قال بعضهم إن العجوز مختلة.
وقال آخرون إن بيتها مليء بالخردة والجرذان.
وقال آخرون إنها ربما تخفي المال في علب البسكويت القديمة…لكن ما حدث بعد ذلك… كان لم تكن سلمى تعرف يومها أن طبق الشوربة الأول الذي حملته بيدين متعبتين بعد عودتها من السوق سيفتح بينها وبين الحاجة أمينة بابًا لم يفتحه أحد منذ سنوات طويلة كانت تظن في البداية أنها مجرد مساعدة صغيرة لجارة مسنة تعيش وحدها في الشقة المقابلة لكنها مع الأيام بدأت تشعر أن الأمر أكبر من ذلك بكثير كان في نظرة الحاجة أمينة شيء لا يشبه الامتنان العادي شيء يشبه خوفًا قديمًا يطل من وراء الباب ثم يختبئ بسرعة كأنه تعوّد أن ينجو بالصمت وكانت سلمى وهي أم لولدين وتعرف جيدًا كيف يبدو الحرمان حين يكبر في القلب كانت تميز هذا النوع من الصمت لم يكن صمت كِبر سن ولا صمت تعب فقط بل صمت إنسانة عاشت طويلًا وهي تضغط على جرح لا تريد لأحد أن يراه ولهذا السبب بالذات لم تتوقف عن طرق بابها كل مساء حتى في الأيام التي كانت تعود فيها منهكة من العمل وحتى حين كان زوجها يسألها لماذا تتعب نفسها مع امرأة لا تسمح لها حتى بالدخول كانت ترد ببساطة لأنها وحدها ولم تكن تعرف أن الجملة الحقيقية في داخلها كانت أشد عمقًا لأنها تذكرني بأمي في سنواتها الأخيرة حين صار الكبرياء آخر ما تملكه المرأة بعد أن يأخذ منها العمر كل شيء تقريبًا مر الشتاء الأول ثم الربيع ثم صيف طويل كانت العمارة خلاله تختنق بحر القاهرة الساخن وتتجمع رائحة الطبخ والرطوبة في الممر الضيق وكانت سلمى كل يوم تقريبًا تحمل شيئًا صغيرًا إلى باب الشقة 302 مرة محشيًا ومرة عدسًا ومرة سمكًا مقليًا ومرة أرزًا بلبن وكانت الحاجة أمينة تتسلم الطعام دائمًا بنفس الحركة الحذرة كأنها لا تريد أن تحتك أصابعها بأصابع أحد أكثر من اللازم لكن شيئًا خفيفًا بدأ يتغير مع الوقت فقد صارت تسألها أحيانًا إن كان ولدها الصغير قد شفي من السعال وصارت تعرف أن زوجها يعمل سائقًا على ميكروباص وأن سلمى تحب زراعة الريحان في علب الصفيح فوق الشباك وصارت تقول لها من خلف الباب إن الطبخة اليوم رائحتها طيبة جدًا أو إن القرفة ذكرتها بأيام بعيدة كانت تصنع فيها الأرز باللبن لولدها الوحيد ثم تتوقف فجأة بعد تلك الجملة الأخيرة وكأنها أخطأت في حق نفسها حين سمحت لماضٍ كامل أن ينزلق على لسانها عندها كانت سلمى تلتقط الكلمة بسرعة وتسألها بلطف عن الابن لكن الحاجة أمينة كانت دائمًا تغير الموضوع تسأل عن أسعار الطماطم أو تنصحها بإضافة نقطة سمن بلدي إلى العدس أو تدعو لها بطول العمر وتغلق الباب وهكذا بدأت ملامح حكاية مختبئة تتكون من كلمات قليلة جدًا ابن وحيد غياب طويل صورة مؤلمة لا تريد صاحبتها حتى أن تلمس إطارها ذات مساء انقطعت الكهرباء عن العمارة كلها وبقي الممر غارقًا في عتمة صفراء تأتي من الشارع جلست سلمى عند باب شقتها تلوح بمروحة من الكرتون لابنتها الصغيرة وسمعت فجأة صوت سعال قوي من جهة شقة الحاجة أمينة ترددت لحظة ثم نهضت وطرقت الباب فلم يفتح أحد أعادت الطرق وقلق بارد يصعد في صدرها ثم جاءها الصوت متقطعًا من الداخل أنا بخير يا بنتي فقط دوخة بسيطة قالت سلمى افتحي لي لو سمحت أجيب لك ماء باردًا وطال الصمت للحظات قبل أن ينفرج الباب أكثر من كل مرة مضت لم تفتح الحاجة أمينة الشقة كاملة بل وقفت خلفه بعباءتها الرمادية ووجهها شاحب جدًا وعيناها غائرتان وكانت رائحة البيت القديمة أقوى من أي وقت مضى رائحة دواء وبخور وأقمشة ظلت سنوات بلا شمس مدت سلمى يدها بزجاجة الماء فارتجفت أصابع العجوز وهي تأخذها وقالت بصوت مبحوح لا تدخلي الآن البيت غير مرتب شعرت سلمى أن هذه الجملة لم تعد مجرد اعتذار عن الفوضى بل قانونًا قديمًا لا يُكسر ورغم رغبتها العنيفة في أن تتجاوز الباب إلا أنها احترمت خوفها وقالت فقط طيب لكن لو احتجتِ أي شيء اخبطي على الحائط وأنا أجيكي ولأول مرة رفعت الحاجة أمينة يدها وربتت بخفة على كتف سلمى ثم قالت جزاكِ الله خيرًا يا بنتي لم يقلها أحد لي بهذا الصدق منذ زمان طويل ولم تنم سلمى تلك الليلة جيدًا كانت تسمع في رأسها السعال المتقطع وترى الباب نصف المفتوح وتفكر كيف يمكن لبيت أن يصير حصنًا وسجــ,,ـــــنًا في الوقت نفسه ومع الأيام بدأت تلاحظ أشياء أخرى أصبح تحرك الحاجة أمينة أبطأ كثيرًا وصارت أحيانًا تتأخر في الرد على الباب وصار صوتها أكثر وهنًا وكانت مرة لم تستطع أن تحمل حتى علبة الطعام فوضعتها سلمى على الأرض عند العتبة وتراجعت كي لا تحرجها بعد أسبوع أخذت لها جهاز قياس ضغط من صيدلية قريبة وقالت إنه هدية بسيطة فرفضته العجوز أولًا ثم قبلته بعد إلحاح ووعدت أن تستعمله وبعد أسبوعين أحضرت لها بطانية جديدة بحجة أن أخاها أرسلها وأنها زائدة عنها ولم تصدق الحاجة أمينة الحكاية لكنها قبلت البطانية وسألت فجأة هل ما زال الناس يرسلون لبعضهم هدايا دون مقابل يا سلمى فسكتت سلمى لحظة ثم أجابت نعم يا حاجة أمينة ما زال بعضهم يفعلون ابتسمت العجوز ابتسامة قصيرة وقالت الحمد لله ظننت أن الدنيا خلصت من النوع ده في ذلك الشتاء مرضت سلمى نفسها يومين ولم تستطع أن تخرج من فراشها وكان أول ما أقلقها ليس الغسيل المتراكم ولا غيابها عن العمل بل أن الحاجة أمينة ستنتظر طرق الباب المعتاد ولن تسمعه بالفعل عند مغيب اليوم الثاني سمعت طرقة خفيفة جدًا على بابها فتحت لتجد الحاجة أمينة واقفة متكئة على الحائط وكأنها قطعت جبلًا لا ممرًا قصيرًا بين شقتين كانت تحمل في يدها كوبًا صغيرًا من اليانسون قالت وهي تلهث عرفت إنك تعبانة قلت أجيب لك ده قد ينفعك شعرت سلمى بشيء ينهار في صدرها من الرقة وأدخلتها أخيرًا إلى بيتها الصغير جلست الحاجة أمينة على طرف الكرسي مترددة كأنها زائرة في عالم نسيته منذ زمن وكانت تتلفت إلى صور الأولاد المعلقة وإلى الستارة المزركشة وإلى القدر على النــ,,ـــــار بنظرة جوع عاطفي أكثر من أي شيء آخر شربتا اليانسون معًا في صمت ثم قالت العجوز وهي تحدق في يديها أنا كنت زمان بعرف أطبخ لكل الحارة والله كانوا يستنوا صواني الكفتة في العيد من بيتي من غير ما أقول هزت سلمى رأسها مبتسمة وقالت باين عليكِ ست بيت شاطرة قالت الحاجة أمينة كنت أمًا قبل أي شيء ثم سقط الصمت بينهما مثل حجر ثقيل وشعرت سلمى أن الجملة فتحت بابًا داخليًا صغيرًا جدًا فسألت بهدوء ابنك فين دلوقتي يا حاجة أمينة رفعت العجوز عينيها ببطء ولم تجب مباشرة ثم قالت في مكان بعيد قوي يا بنتي بعيد لدرجة إن الدعاء وحده اللي بيوصله ولم تزد حرفًا لكن عينيها امتلأتا فجأة بدموع حبستها بسرعة حتى لا تراها سلمى منذ تلك الليلة صار في العلاقة بينهما شيء أعمق من المجاملة كانت الحاجة أمينة ما تزال ترفض دخول أحد إلى بيتها لكنها بدأت تسمح للكلمات بالدخول بدأت تروي شذرات صغيرة من حياتها كانت في صباها جميلة جدًا وتحب الغناء في المطبخ وكانت قد تزوجت رجلًا اسمه الحاج مصطفى يعمل موظفًا في السكة الحديد وكان يكره الكذب ويحب الياسمين وأنجبت ولدًا واحدًا بعد سبع سنوات من الانتظار أسمته ياسر وعلّقت عليه قلبها كله قالت مرة وهي تضحك بخفة كان ولدًا مدللًا لدرجة أنه كان يبكي لو لم أنم بجواره حتى بعد أن دخل المدرسة ثم كانت تبتسم وتسرح بعيدًا وتضيف كبر بسرعة أسرع مما ينبغي كان ذكيًا يحب الكتب والخرائط وكان يقول إنه سيعمل يومًا في بلد بعيدة ويسافر بالطائرة كل أسبوع وكانت هي ترد عليه مازحة لا يا حبيبي خلّيك جمبي لكن الحياة كما قالت لم تسمعها رحل الأب أولًا بأزمة قلبية حين كان ياسر في الجامعة ومن يومها صار البيت كله قائمًا على كتفي أم وولد وحيد كانت تخيط للناس في البيت وتوفر جنيهًا فوق جنيه لكي يدرس جيدًا ويدخل كلية محترمة ونجح فعلًا ثم تغير شيء ما تغير بالتدريج أو ربما دفعة واحدة على نحو لم تستطع حتى هي أن تفهمه قالت ذات مساء إن الإنسان لا يخسر أبناءه دائمًا بالمــ,,ـــــوت أحيانًا يخسرهم وهم أحياء ولا توجد جنازة ليبكي فيها لم تسألها سلمى أكثر يومها لكنها فهمت أن بين الأم وابنها قصة انكسار لم تلتئم مضت الشهور الثانية ثم السنة الثانية على تلك الحال وأصبحت العمارة كلها تعرف تقريبًا أن سلمى وحدها هي من تزور الحاجة أمينة ولو من وراء الباب فكانت بعض الجارات يلمزنها أحيانًا ويقلن إنها تتقرب طمعًا في الشقة وكانت تضحك أول الأمر ثم صارت تغضب حقًا من قسوة الناس كم يبدو سهلاً عليهم أن يشكوا في الرحمة كأنهم لا يحتملون أن يوجد فعل طيب بلا ثمن وفي إحدى الليالي سمعتها صدفة أم عادل وهي تهمس لأخرى على السلم قريبًا تمــ,,ـــــوت ونشوف لمين هتسيب البيت يومها صعد الدم إلى وجه سلمى وردت بحدة عيب عليكي دي ست كبيرة ووحدانية قالت الأخرى وهي ترفع كتفيها أنا ما قلتش حاجة غلط كلنا عارفين إن ليها قرايب من زمان مختفيين لكن الشقة شقة تمــ,,ـــــوت ونشوف من يطلع من تحت الأرض وظلت هذه الجملة ترن في أذنها أيامًا كأن العمارة كلها كانت تنتظر مــ,,ـــــوت امرأة أكثر مما انتظرت شفاءها ثم جاء ذلك الصباح الثقيل كان يوم جمعة والجو خانق على غير المعتاد في أوائل الربيع خرجت سلمى باكرًا لتشتري خبزًا وحين عادت رأت سيارة إسعاف تقف أمام العمارة ورجلين يحملان نقالة ونسوة واقفات عند الباب بوجوه متحفزة لا مفجوعة شعرت بقلبها يهبط قبل أن تفهم صعدت الدرج تركض حتى الطابق الثالث ورأت باب الشقة 302 مفتوحًا للمرة الأولى على اتساعه وكان داخل البيت باردًا على نحو غريب كأن الهواء نفسه توقف فيه منذ ساعات وقفت عند العتبة ثم دخلت خطوة واحدة فقط فرأت الحاجة أمينة مسجاة على سريرها الضيق تحت ملاءة بيضاء لا يظهر منها سوى جزء من جبينها وشعرها الأبيض المرتب كعادته كانت صغيرة جدًا ساكنة جدًا حتى إن سلمى لم تستوعب في اللحظة الأولى أن هذه السكونية نهائية بالفعل أحست بدوار شديد وأسندت نفسها إلى الحائط وقالت بصوت خرج مكسورًا إمتى قال أحد المسعفين من حوالي ساعة الجيران بلغوا بعد ما محدش سمع لها حركة من امبارح وقبل أن تنهار سلمى تمامًا دخلت امرأة ممتلئة ترتدي فستانًا لامعًا ونظارة سوداء وشفتين حمراوين بشكل مبالغ فيه وكانت رائحتها من النوع الحاد الذي يسبقها بخطوتين قالت من غير سلام فين ورق الشقة ومفاتيح الدولاب التفت الجميع إليها بدهشة بينما جمدت سلمى في مكانها ثم سألتها من حضرتك فردت المرأة ببرود أنا بنت أختها وفين حد مسؤول هنا عن الحاجات دي لم يكن في صوتها شيء يشبه الحزن ولا حتى الحرج بل استعجال مكشوف كأنها جاءت إلى مزاد لا جنازة وهنا اشتعل شيء داخل سلمى لم تستطع أن تمنع نفسها فقالت الجــ,,ـــــثه لسه دافئة وإنتِ أول حاجة بتسألي عنها ورق الشقة نظرت إليها المرأة باحتقار وقالت وأنتِ مالك أنتِ من أهلها قالت سلمى لا بس كنت الإنسانة الوحيدة اللي بتسأل عنها طول السنتين اللي فاتوا بينما أنتم ما شفتوش طريقها حتى في الأعياد ارتفعت همهمة خفيفة من الجيران وشدت المرأة حقيبتها وقالت أنا مش جاية أشرح نفسي لأحد دي خالتي وليّا حق أعرف أملاكها فين لكن كلماتها سقطت أمام النظرات الملتفة حولها وكان واضحًا أنها مكروهة قبل أن تُعرَف تراجع المسعفون جانبًا بينما بدأت إجراءات الوفــ,,ـــــاه الرسمية وأخذ أحد الرجال يسأل عن بطاقتها وعن أقارب الدرجة الأولى وكان الجواب مرتبكًا ومبعثرًا لا أحد يعرف كثيرًا
عن حياتها إلا القليل القليل وقفت سلمى وسط الشقة للمرة الأولى تنظر حولها بعينين غارقتين في الدمع وكان ما رأته أبعد ما يكون عن الصور القاسية التي اخترعها الجيران لم يكن البيت قذرًا ولا مملوءًا بالحشرات بل كان نظيفًا على طريقته القديمة المرتبة بحذر فقراء يعرفون قيمة الأشياء كان الأثاث متواضعًا جدًا سرير حديدي قديم دولاب خشبي مهترئ من الأطراف سجادة باهتة الكنبة صغيرة مغطاة بملاءة مطرزة يدويًا الطاولة عليها مصحف ونظارة وكوب ماء نصف ممتلئ وعلى الحائط ساعة متوقفة عند الثالثة وعشر دقائق كأنها هي أيضًا رفضت أن تتحرك بعد صاحبة البيت لكن أكثر ما شد سلمى لم يكن الفقر ولا الترتيب بل الشعور بأن كل شيء في المكان محفوظ كما لو أن صاحبته كانت تستعد لزيارة لم تأت أبدًا كانت الوسائد منفوخة بعناية والأطباق مغسولة ومرصوصة وعباءة نظيفة معلقة خلف الباب وفوق الكومود صورة شاب في الثلاثين تقريبًا يبتسم ببدلة رسمية ويحمل طفلًا صغيرًا بين ذراعيه أخذت سلمى الصورة بيد ترتعش وفي أسفلها بخط باهت مكتوب ياسر وآدم 2009 لم تستطع أن تسأل الآن لكن اسم الطفل التصق بقلبها مثل شوكة وبينما كان الجميع منشغلين بالأوراق وبحضور الشيخ وبالهاتف الذي لا يكف عن الرنين من أقارب ظهروا فجأة من العدم مشت سلمى ببطء ناحية السرير لتعدل الملاءة على جسد الحاجة أمينة وعندها رأته كانت هناك على الوسادة الأخرى دمية قماشية صغيرة ترتدي فستانًا أبيض قديمًا ومنديلًا صغيرًا على الرأس موضوعة بعناية شديدة كأن أحدًا كان ينام بجوارها كل ليلة وإلى جوار الدمية رسالة مطوية ونظارة القراءة لمست سلمى الورقة بتردد ثم نظرت حولها لم يكن أحد ينتبه لها فتحتها ببطء وبدأت تقرأ وكان الخط مرتعشًا لكنه واضح إلى حد جعل الكلمات أشبه بطــ,,ـــــعنات يا من يجد هذه الورقة بعد رحيلي أرجوه أن يسامحني لأنني أخفيت كثيرًا لم أخفِ المال ولا الذهب كما ظن الناس بل أخفيت قلبي الذي عاش نصفه مدفونًا مع الغياب هذه الدمية ليست لعبة بل هي آخر شيء بقي لي من حفيدي آدم حين جاءني مرة واحدة فقط كان عمره سنتين وقتها وتركها نائمًا على سريري ثم أخذه أبوه ورحل ولم يعودا بعدها أبدًا ابني ياسر لم يمت لكن بيننا مــ,,ـــــوت من نوع آخر حين تزوج امرأة لم تحتمل وجودي في حياتهم وطلبت منه أن يختار ولم يكن الاختيار في صالحي لا أريد أن أتهم أحدًا وحدي فقد كنت أنا أيضًا عنيدة موجوعة قلت كلمات قاسية يوم شعرت أنني أُنتزع من بيت ابني كما تُنتزع الشجرة من أرضها فخرج غاضبًا وخرجت معه سنوات عمري حاولت الوصول إليه مرارًا ثم خفت أن أكون ثقلاً عليه ثم صار الصمت أكبر من قدرتي على كسره لم أره منذ سبعة عشر عامًا ولم أر حفيدي إلا في تلك الصورة أما سلمى إن كانت هي من تقرأ الآن فأقول لها إن الله أرسلها لي رحمة في آخر الطريق كانت البنت التي لم تلدها روحي لكنها عاشت لي ما لم يعشه لي أحد من دمي هي لا تعرف أن كل وجبة حملتها إلى بابي كانت تعيدني يومًا إلى الحياة وأن كل مرة نادتني فيها يا حاجة أمينة كانت ترقي شيئًا مكسورًا داخلي أما ما يوجد على سريري فهو أمانة إذا أمكن الوصول إلى حفيدي آدم فأعطوه الدمية والصورة والرسائل الزرقاء الموجودة في الدرج السفلي فقد كتبت له كل سنة رسالة في يوم ميلاده ولم أرسلها أبدًا أما الشقة فليست كنزًا إنها سقف متواضع لكنه الشاهد الوحيد على أنني كنت أمًا وأنني انتظرت حتى آخر عمري من يطرق الباب باسم الحب لا باسم الميراث وإذا كان القانون يسمح بشيء فأمنيتي أن يبقى منها ما يعين سلمى على تعليم أولادها لأنها أطعمتني من قوتهم ولم تشعرني يومًا بأنني عبء توقفت الكلمات هنا تقريبًا لأن الورقة كانت ملطخة بآثار دموع قديمة وشعرت سلمى أن عينيها تحترقان لم تعد ترى السرير ولا الشقة بل امرأة عجوز نامت سبعة عشر عامًا بجوار دمية حتى لا تنسى وزن حفيد لم يكبر بين يديها وأمًا كتبت رسائل كل عام لولد لم يأت هل من الممكن أن يعيش قلب كل هذا الصبر دون أن ينكسر تمامًا جلست سلمى على طرف السرير تبكي بصمت لأول مرة منذ وفــ,,ـــــاه أمها بهذا العمق وهذا العجز كانت الدمية ناعمة من كثرة اللمس وقد بهت لون قماشها عند الذراعين كما لو أن أصابع كثيرة احتضنتها مرارًا نظرت إليها ثم إلى صورة الشاب والطفل وشعرت بوجع هائل من أجل الحاجة أمينة ومن أجل كل الأمهات اللواتي يظلن واقفات عند أبواب الغياب سنوات طويلة ثم لا يأتين إلا إلى نهايته وبعد قليل تنبهت إلى صوت المرأة ذات الشفاه الحمراء وهي ترفع صوتها في الصالة وتقول إن عليها أن تفتش الأدراج لأن خالتها ربما خبأت أوراقًا مهمة قامت سلمى بسرعة وشدت الرسالة إلى صدرها لم تكن تفكر بوضوح لكنها عرفت غريزيًا أن لا أحد غيرها يجب أن يلمس هذه الورقة الآن دخلت إلى الغرفة الصغيرة المجاورة وكانت أقرب إلى مخزن مرتب هناك فتحت الدرج السفلي كما ورد في الرسالة فوجدت رزمة من أظرف زرقاء مربوطة بشريط أبيض وصندوقًا معدنيًا صغيرًا داخله شهادة ميلاد قديمة وبعض الصور ورسالة زواج وصك الشقة وبعض الإيصالات وصورة أخرى لحفيد يبدو في الخامسة أو السادسة التقطت كل شيء وضمته إلى صدرها في اللحظة نفسها تقريبًا دخلت المرأة وقالت بحدة ماذا تفعلين هنا قالت سلمى ببرود أرتب حاجات المرحومة قالت المرأة بحركة عصبية دي أوراق عائلية من حقي أشوفها ردت سلمى حقك يجي بعد دفــ,,ـــــنها مش قبله وبعدين كل حاجة هتتسلم رسمي لما ييجي حد مسؤول عنها كادت الأخرى أن ترد لكن دخول أحد الرجال من الإدارة أوقفها وطلب من الجميع الخروج حتى تُستكمل الإجراءات خرجت سلمى وهي تحمل الصندوق تحت عباءتها كما تحمل أم طفلًا خائفًا في جنازة الحاجة أمينة ظهر أقارب كثيرون لم ترهم العمارة يومًا ملأت النساء المكان ببكاء عالٍ مفرط فيه أكثر مما يلزم لإقناع الناس بحزنهن وكان الرجال يتحدثون جانبًا عن الورثة والحصر والمحامي أكثر من حديثهم عن الفقيدة نفسها وقفت سلمى قرب النعش صامتة تحاول أن تتذكر آخر شيء قالته لها الحاجة أمينة كان قبل يومين فقط عندما أخذت منها طبق الكشري وقالت لها ادعي لي يا بنتي أن ربنا يهون الباقي ولم تفهم سلمى وقتها لماذا بدا صوتها كما لو أنها تودعها بعد الدفــ,,ـــــن عادت الحياة إلى العمارة بشكلها المعتاد بسرعة قاسية كما لو أن امرأة عاشت في الشقة 302 عقودًا لم تترك سوى فراغ صغير يملؤه الحديث يومين ثم ينساه الجميع لكن سلمى لم تستطع أن تنسى بدأت ليلًا تقرأ الرسائل الزرقاء واحدة واحدة وكانت كل رسالة موجهة إلى آدم في عيد ميلاده هذا العام أتممت الثالثة يا حبيبي وكنت أتخيلك تركض في البيت بحذاء يصدر صوتًا على البلاط وهذا العام صرت في السابعة ربما دخلت المدرسة وتحمل حقيبة زرقاء كحقيبة أبيك حين كان صغيرًا وفي رسالة أخرى في الثانية عشرة ربما تظن أنك لا تحتاج إلى الجدة لكنني ما زلت أحتفظ لك بقطعة شوكولا كلما مررت من البقالة ثم آكلها أنا قبل أن تفسد وأضحك على نفسي حتى في سنواته الأخيرة كانت تكتب له كما لو أنها تعرفه حقًا كما لو أن الحب وحده كان يبني له ملامح وسنًا وصوتًا من الفراغ وقرأت سلمى الرسائل كلها باكية حتى الفجر وحين انتهت عرفت أن عليها أن تفعل شيئًا واحدًا فقط يجب أن تجد آدم لم تكن المهمة سهلة كان اسم الأب ياسر واسم الحفيد آدم فقط ولا عنوان حديث ولا رقم هاتف سوى أرقام قديمة مفصولة الخدمة وصور تحمل تواريخ بعيدة لكنها بدأت بما تستطيع ذهبت إلى الحي القديم الذي كانت الحاجة أمينة قد ذكرت مرة أن ابنها عمل فيه محاسبًا في شركة استيراد وسألت في الشركة القديمة فقيل لها إنه ترك العمل منذ سنوات وسافر إلى الإسكندرية ثم إلى الخليج ربما ثم عادت وسألت في السجل المدني عن طريق أحد المعارف فعرفت عنوانًا قديما جدًا لم يعد صاحبه يقيم فيه ثم زارت مسجدًا صغيرًا كانت الحاجة أمينة تتصدق من خلاله أحيانًا وهناك تذكر الإمام اسم ياسر وقال إنه كان يأتي قديمًا مع أمه قبل سنوات كثيرة ثم انقطع لكنه سمع من شخص ما أن ابنه دخل جامعة خاصة في القاهرة الجديدة كان الخيط ضعيفًا لكنه الخيط الوحيد أمسكت به سلمى كما يمسك الغريق بلوح خشب ذهبت إلى الجامعة ولم يسمحوا لها بمعلومات عن طالب قديم لكنها جلست عند البوابة يومين تقريبًا تسأل الحراس والباعة حتى تذكر أحدهم شابًا بهذا الاسم وذكر أن أمه كانت تأتي أحيانًا بسيارة سوداء وأنهم انتقلوا إلى حي راقٍ في التجمع بمساعدة من عم أحد الطلبة ومن صفحات قديمة على الإنترنت ومن دليل هاتف مهمل ومن قدر كثير وصلت أخيرًا إلى عنوان شركة يملكها رجل اسمه آدم ياسر مصطفى وحين قرأت الاسم كاملًا شعرت بقشعريرة تسري في جسدها أخذت الأظرف الزرقاء والدمية والصور وركبت مواصلتين ثم سيارة أجرة حتى وصلت إلى مبنى زجاجي ضخم بدا لها كأنه ينتمي إلى عالم آخر دخلت مترددة وسألَت عن آدم فقيل لها إن لديه اجتماعًا ولا يمكن مقابلته من دون موعد كتبت اسمها في ورقة وقالت للموظفة أخبريه فقط أن الأمر يخص الحاجة أمينة وانتظرت نصف ساعة كاملة قبل أن يخرج شاب طويل أنيق في أواخر العشرينات يرتدي بدلة رمادية ويبدو على وجهه شيء من الصرامة اللامعة التي يصنعها النجاح السريع قال بلباقة باردة حضرتك عايزاني في إيه وقفت سلمى لحظة تتأمل ملامحه كان في انحناءة العينين وفي خط الفك أثر واضح من وجه الرجل في الصورة قالت أنت آدم ابن ياسر قال نعم لكنها لم تكمل فورًا لأن حلقها اختنق ثم مدت إليه الصورة القديمة أولًا أخذها بتعجب وحدق فيها طويلًا وتبدلت ملامحه فجأة هذا أنا وأنا صغير وهذه الصورة عندك منين قالت من جدتك الحاجة أمينة ساد صمت كثيف جدًا ثم قال بصوت أخفض جدتي ماتت من زمان أقصد هكذا قالوا لنا ابتلعت سلمى ألمها وقالت لا يا ابني كانت عايشة لحد الأسبوع اللي فات ماتت وهي مستنياك أو مستنية خبر عنك على الأقل كأن الكلمات صدمته في صدره خطوة إلى الخلف ثم نظر حوله وقال تعالي معي إلى غرفة جانبية جلست وسلمى تضع أمامه الصندوق المعدني والأظرف والدمية ولم يتكلم هو أيضًا للحظات طويلة ثم قال ببطء أبي منع ذكرها في البيت كلما سألت عنها وأنا صغير كان يقول إن بينهما مشكلة كبيرة وإنها هي التي قطعتنا ثم بعد وفــ,,ـــــاه أمي صار لا يحب الكلام عن الماضي أبدًا وفي مرة وحيدة فقط رأيته يبكي وهو يمسك صورة قديمة لكنه مزقها أمامي ظننت دائمًا أن القصة أعقد من مجرد خلاف لكنني لم أعرف كيف أصل إليها كانت سلمى تسمعه وقلبها ينكمش ثم دفعت إليه الرسائل قالت هي كتبت لك رسالة كل سنة من يوم ما بعدتوا عنها افتحهم وحين فتح أول ظرف وقرأ السطور الأولى تغير وجهه تمامًا كما لو أن سنوات من الغبار انزاحت دفعة واحدة عن مرآة داخلية رأته يقرأ وينحني أكثر وأكثر ثم يغطي عينيه بيده ثم يبكي بصوت خفيض خجل في بدايته ثم حر تمامًا بعد دقائق طويلة قال لم أكن أعرف لم أكن أعرف أبدًا ثم نظر إلى الدمية وسأل هذه كانت عندها فعلًا قالت كانت على سريرها جنب وسادتها كأنها حاضنة آخر مرة شافتك فيها حملها بيده بحذر شديد وراح يمرر إبهامه على حافتها الباهتة كما يلمس أثرًا مقدسًا وبقي ساكتًا طويلًا ثم سأل أبي هل تركت له شيئًا قالت سلمى تركت له في قلبها غفرانًا أكثر مما يستحق وسكتت ثم أضافت وتركت لكما فرصة كان يمكن تضيع للأبد لو ما وصلتش الرسائل دي لك نهض آدم في ذلك اليوم وطلب عنوان العمارة وبعد يومين جاء بنفسه كان المساء يهبط حين وقفت سيارة فاخرة أمام المبنى القديم وخرج منها شاب يحمل في يده باقة ياسمين بيضاء لم ير أحد في العمارة مثل ذلك المشهد من قبل صعد السلالم ببطء وكأن كل درجة ترده إلى حقيقة كان يجب أن يعرفها منذ سنوات وقفت سلمى عند بابها تراه يقترب من شقة 302 المغلقة رسميًا بختم الحصر القضائي ولم يستطع أن يدخل لكنه وقف أمام الباب ووضع يده عليه ثم أسند جبهته للحظة طويلة وبكى لم يكن بكاء استعراض ولا ندمًا سهلاً بل بكاء إنسان اكتشف أن جزءًا من هويته سُرق منه باسم الصمت بعدها بشهر بدأت إجراءات قانونية طويلة حين ظهر الأب ياسر أخيرًا كان قد شاخ أكثر مما توقعت سلمى ولم يكن في هيئته ما يوحي بالقسوة بقدر ما يوحي بالهزيمة رجل أضاع سنوات كاملة لأنه لم يملك الشجاعة ليعود جلس مع ابنه في مكتب محام ثم طلب أن يرى سلمى وحين قابلها لم يرفع عينيه بداية وقال أنا ظلــ,,ـــــمتها وظلــ,,ـــــمت نفسي وظلــ,,ـــــمت ابني كنت أقول كل سنة سأذهب ثم أؤجل حتى صار التأجيل عمرًا كاملًا حكت له سلمى عن الليلة التي جاءت فيها باليانسون وعن الدمية وعن الرسائل فبكى بصمت وقال كانت تحبني أكثر مما احتملت أنا أن أرى ولهذا هربت من وجهي أمامها لم ترد سلمى أن تمنحه عزاء مجانيًا لكنها شعرت أن الحياة عاقبت الجميع بما فيه الكفاية في النهاية وبعد استخراج الوصية غير الرسمية وشهادة الشهود وما تسمح به الإجراءات القانونية لم يكن ممكنًا تنفيذ كل ما تمنته الحاجة أمينة حرفيًا لكن آدم أصر أن يحقق روح الوصية لا نصها باع الشقة بعد شهور طويلة من إنهاء النزاعات ثم جاء إلى سلمى وزوجها ومعه عقد ودفتر توفير باسم ولديها وقال هذا جزء من حقها لكم رفضت سلمى كثيرًا وبكت أكثر مما تكلمت لكنه قال لها أنتِ لم تطعمي جدتي فقط أنتِ حفظتِ إنسانيتها حتى آخر يوم وأنا لن أستطيع رد ذلك لكني أريد أن تعرفي أن خيرك لم يضع ثم فعل شيئًا آخر لم تكن تتوقعه استأجر محاميًا ليجمع رسائل الجدة وصورها ويطبعها في كتاب صغير خاص للعائلة بعنوان رسائل إلى حفيد لم يغب عن القلب وفي الصفحة الأولى كتب إلى سلمى التي طرقت بابًا لم يطرقه الدم وفي كل عيد أم بعد ذلك صار آدم يزورها مع زوجته الجديدة ويحضر معه ياسمينًا أبيض ويجلس مع أولادها كأنه فرد من العائلة وأما ياسر فجاء مرة إلى قبــ,,ـــــر أمه ومعه صورة قديمة لهما ووقف طويلًا يقرأ الفاتحة ويبكي ولم يعرف أحد ماذا قال بعدها لكن آدم أخبر سلمى أنه خرج من المقابــ,,ـــــبر رجلًا آخر أقل صخبًا وأكثر انكسارًا وربما أكثر صدقًا أما المرأة ذات الشفاه الحمراء فقد اختفت بعد أن أدركت أن لا كنز هناك سوى ما لا يباع ولا يورث بسهولة ذاكرة أم وحبها الذي بقي حيًا أكثر من الطمع كله ومرت شهور ثم عام كامل لكن سلمى كلما صنعت شوربة دجاج أو أرزًا باللبن وجدت نفسها تنظر تلقائيًا إلى الباب المقابل قبل أن تتذكر أن الحاجة أمينة لم تعد هناك ومع ذلك لم يكن الغياب خاليًا تمامًا كانت تشعر أحيانًا في آخر المساء أن الشقة 302 ما زالت تحتفظ بدفء خافت وأن امرأة صغيرة بشعر أبيض مرتب تقف عند عتبتها وتقول لها كما اعتادت أنتِ طيبة جدًا يا بنتي وذات ليلة بينما كانت ترتب خزانتها وجدت منديلًا قديمًا كانت الحاجة أمينة قد نسيته في بيتها يوم جاءت لها باليانسون فجلست على طرف السرير وضمته إلى وجهها وبكت لكن بكاءها هذه المرة لم يكن حزنًا فقط كان مزيجًا غريبًا من الفقد والسكــ,,ـــــينة كأن بعض الناس يرحلون بعد أن يتركوا في أرواحنا شيئًا أشبه بالنور الخافت لا يبدد الظلام كله لكنه يجعل احتماله ممكنًا فهمت سلمى أخيرًا أن ما أبكاها يوم دخلت الشقة أول مرة لم يكن مجرد منظر الدمية على السرير ولا الرسائل الزرقاء ولا حتى مــ,,ـــــوت امرأة وحيدة بل الحقيقة الأكبر التي انكشفت أمامها فجأة أن القلب يمكنه أن ينتظر سنوات طويلة دون أن يتوقف عن الحب وأن أبسط الأفعال طبق شوربة وكوب شاي وطرقة باب في موعد ثابت قد تصير في حياة إنسان ما الحد الفاصل بين اليأس والنجاة ولهذا لم تعد سلمى بعد ذلك تمر بجار مسن أو امرأة صامتة أو طفل يلوح من خلف باب مغلق كما كانت من قبل صارت تعرف أن البيوت تخفي حروبًا لا يسمعها أحد وأن الرحمة الصغيرة قد تكون آخر خيط يربط إنسانًا بالعالم وفي مساء الذكرى الثانية لوفــ,,ـــــاه الحاجة أمينة صعد آدم ومعه باقة ياسمين ووضع عند باب الشقة القديمة لوحة صغيرة بعد أن اشتراها من المالك الجديد بموافقته كتب عليها هنا عاشت امرأة اسمها أمينة انتظرت بالمحبة حتى آخر يوم ولم تمت وحدها تمامًا لأن يدًا طرقت بابها كل مساء قرأت سلمى العبارة وبكت وابتسمت في اللحظة نفسها ثم رفعت رأسها نحو الممر العتيق الذي ما زالت رائحته خليطًا من الرطوبة والذكريات وشعرت أن العمارة نفسها صارت أحنّ قليلًا كأنها هي الأخرى تعلمت متأخرة أن الأبواب ليست للغلق فقط بل للنجاة أيضًا ومن يومها كلما سألها أحد عن سبب اهتمامها الزائد بالناس الذين ينسونهم الجميع كانت ترد بهدوء بسيط لأنني تعلّمت من حاجة أمينة أن الوحدة لا تُرى دائمًا من الخارج وأن الإنسان قد يمــ,,ـــــوت من قلة الطرق على بابه قبل أن يمــ,,ـــــوت من المرض وكانت كلما قالت ذلك تتذكر السرير الضيق والدمية القماشية والرسائل الزرقاء وصوت المرأة الطامعة وهي تسأل عن أوراق الملكية قبل أن يبرد الجسد فتشكر الله في سرها أن الحياة رغم قسوتها ما زالت تمنح أحيانًا فرصة متأخرة كي ينتصر الحب على الجشع والوفاء على النسيان والطرقة الصغيرة على باب مغلق على سبعة عشر عامًا من الفقد ولو قليلًا ولو في النهاية فقط

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *