بنت البحرية

رجعت بيتنا في الساحل عشان ألاقي هدوء ريحة البحر كانت مخلوطة بريحة الإسفلت المبلول وعادم الطيارات دراعي كان واجعني من شيل الشنطة الدفل اللي كنت حطاها على كتفي كان خطتي بسيطة أحضر تكريم بابا في جمعية المحاربين القدماء وأقعد في آخر صف وأسقف مع الناس وأمشي من سكات من غير ما حد في البلد يفتح سيرة حياتي لا خطابات ولا تصحيح لكلام حد ولا فضايح مجرد بنت عايزة تسند أبوها حتى لو نص البلد كانت عارفة قصة غلط عني

​حسيت بالهمس قبل ما حد ينطق

​في الكافيتريا اللي في الشارع الرئيسي الست فوزية بصت لي وكأنها شافت عفريت قالت لي سلمى يا حبيبتي أنا سمعت إنك سبتي الخدمة في القوات البحرية وخلاص استقلتي

​استقلتي مش اتنقلت مش في مهمة سرية لأ استقلتي وكأني فشلت ورجعت بيتنا مكسورة وخايفة حد يحس بيا

​في البنزينة سمعت اتنين بيتكلموا بصوت عالي مقدرتش تسد هناك يا عيني يا حاج فرج أكيد قلبه مكسور عليها

​فضلت ماشية

​السكوت ده انضباط الناس مش فاهمة إن ساعات السكوت مش ضعف ساعات الحقيقة بتبقى ورا سنانك وماضية بختم رسمي بس لو قولتها هتخسري أكتر ما تخسري لو سبتي الناس فاهمة غلط

​لما وصلت بيت بابا عرفت مين اللي بدأ الحكاية دي مديحة مرات بابا فتحت الباب وهي لابسة فستان شيك كأنها في فرح مش في ليلة عائلية بصت لـ بنطلوني الجينز والشنطة اللي على كتفي وقالت ببرود أوه هو ده اللي قررتي تلبسيه

​قلت لها أنا جاية من المطار

​قالت لي وهي بتوطي صوتها حاولي متلفتيش النظر النهاردة باباكي عايز الليلة تمشي تمام وبعدين قربت مني وقالت أنا قولت للناس ميسألوش أسئلة كتير كفاية الفضيحة إنك سبتي البحرية

​بصيت لها وإيدي كانت مفرودة جنبي بس بالعافية كان ممكن أفتح جيب الشنطة وأطلع جواب التعيين الجديد اللي عليه ختم النسر وأحطه قدامها على التربيزة بس معملتش كده مديحة كانت فاكرة سكوتي استسلام

​جوه كان بابا قاعد بيراجع كشوف الأسامي وشه هدي لثانية لما شافني وقال جيتي يا سلمى

​قلت له وعدتك إني هكون موجودة

​مديحة دخلت في النص وقالت هي هتكون كويسة لو قعدت ورا في آخر الصفوف

​استنيت بابا يعترض يقول إني بنته ومكاني جنبه بس مقالش حاجة

​قلت مش مشكلة مكنتش عايزة أعمل خناقة في القاعة والناس بتتفرج علينا

​بعد ساعة القاعة كانت زحمة قدامى محاربين ببدلهم الغامقة وستات لابسة شالات فيها علم مصر وصور بابا في التكريمات مالية الشاشة مكنش فيه صورة واحدة ليا لا في تخرجي ولا في لبسي العسكري ولا حتى صورة وأنا صغيرة مديحة مسحت تاريخي كله من ألبوم العيلة

​قعدت زي ما هي عايزة آخر صف في الركن مخفية لدرجة إني مكنتش باينة

​سمعت اللي قدامي بيقول دي البنت اللي سابت الجيش

​جزيت على سناني من الوجع أنا مسبتش الجيش بس عشان أصحح ليهم لازم أشرح كنت بعمل إيه وفين وده سر ميتكلمش فيه غير أصحابه

​السيادة والوقار كانوا ماليين القاعة ومديحة واقفة بابتسامة نصر إنها مسيطرة على كل حاجة

​وفجأة الباب اللي ورا اتفتح

​دخل راجل ببدلته العسكرية البيضاء رسمي والأوسمة والنياشين بتلمع تحت النور

​ولأول مرة في الليلة دي ابتسامة مديحة اختفت تماما

​الظابط ده مشي وسط الصفوف وكل عين عليه لحد ما وصل عندي ووقف مكانه وض*رب لي تعظيم سلام بكل فخر القاعة كلها سكتت وصوت مديحة مطلعش الظابط بص لبابا وقال له يا حاج فرج إنت لازم تفخر بـ سلمى دي بطلة ومهمتها الأخيرة كانت فخر لينا كلنا

​وقتها بس رفعت راسي وبصيت لمديحة والناس اللي كانت بتهسس وعرفت إن الحقيقة مش محتاج صوت عالي الحقيقة ليها هيبة بتخرس أي لسان

الجزء الاخير

الظابط مشي بخطوات واثقة لحد ما وصل عندي في آخر صف والقاعة كلها بقت في حالة ذهول مديحة وشها بقى ألوان وبقت تفرك في إيديها وهي مش فاهمة إيه اللي بيحصل الظابط وقف قدامي وض*رب تعظيم سلام بكل قوة وقال بصوت هز الحيطان الرائد سلمى فرج إحنا بنعتذر على التأخير بس الأوامر كانت مشددة إن مهمتك تفضل سرية لحد اللحظة دي

​بابا قام وقف وهو مش مصدق وعينيه بدأت تدمع الظابط بص له وقال يا حاج فرج إنت لازم تفتخر بنتك كانت في مهمة وطنية في عرض البحر ومكنش ينفع حد يعرف مكانها ولا طبيعة شغلها والنهاردة القيادة بعتتني عشان أكرمها قدامك وقدام أهل بلدها مديحة حاولت تتكلم وتقول يا خبر ده أنا كنت فاكرة بس الظابط مقطعش كلامه وبص لها بصه خلتها تسكت خالص

​الناس اللي كانت بتهسس وبتقول إن سلمى فشلت بقوا يبصوا لبعض بكسوف وبدأوا يسقفوا بحرارة والقاعة كلها قامت وقفت احترام سلمى طلعت على المنصة والظابط سلمها وسام الشجاعة بابا قرب منها وحضنها قدام الكل وقال لها سامحيني يا بنتي أنا صدقت الكلام اللي اتقال مكنتش أعرف إنك شايلة حمل الجبل ده لوحدك مديحة حاولت تقرب عشان تظهر في الصورة بس سلمى بصت لها بابتسامة هادية وقالت السكوت يا مديحة كان جزء من المهمة والنهاردة المهمة انتهت والحقيقة ظهرت

​الليلة اللي مديحة كانت مخططاها عشان تكسر سلمى وتخليها مجرد خادمة في البيت قلبت وبقت أكبر تكريم لبنت في تاريخ البلد كلها سلمى بصت للجمهور وقالت الخدمة مش كلام ولا صور الخدمة تضحية وسكوت لحد ما النصر يجي والنهاردة أنا برجع لبيتي وأنا راسي في السما مديحة انسحبت من القاعة من غير ما حد يحس بيها وسلمى فضلت وسط أهلها وباباها والكل بيحتفل بالبطلة اللي كانت قاعدة في آخر صف بس هي كانت أول واحدة في قلوب الكل

تمت بحمد الله ❤️

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *