في الصباح التالي كان الهاتف لا يتوقف عن الرنين. لكنني لم أجب لأنني كنت قد قررت بالفعل. لم يكن قرارا عاطفيا ولا اندفاعا لحظة غضب بل شيئا أشبه بالنور الخافت الذي يتسلل بعد عاصفة طويلة. قرار صامت يشبه التنفس بعد الغرق. وضعت الهاتف على الطاولة ونظرت إلى ليلي النائمة. كانت صغيرة نحيلة تتنفس بعمق وشعرها المبلل لا يزال يحمل رائحة المبيض. في تلك اللحظة أدركت أنني لا أملك سوى هذه الطفلة وأن العالم كله لن يكون كافيا إن تركتها تهان مرة أخرى. أعددت لها فطورا بسيطا بيض وقطعة خبز محمصة. حين فتحت عينيها رمشت ببطء وقالت بصوت ناعس ماما هو أنا كنت وحشة تجمدت. الكلمات كانت كطلقة. اقتربت منها جلست على السرير أمسكت وجهها بين يدي وقلت بهدوء لأ يا ليلي. إنت مش وحشة أبدا. اللي حصل ده مش غلطك. قالت ببراءة بس تيتة قالت إن الأطفال الكويسين ما بيكسرواش الأطباق. ابتسمت بحزن وقلت الأطباق بتتكسر يا حبيبتي القلوب بس اللي مينفعش تتكسر. ثم قبلت جبينها وقلت يلا نخرج شوية. لم تسأل إلى أين. كأنها كانت تعرف أننا لن نعود قريبا. خرجنا من البيت قبل أن تستيقظ المدينة تماما. الهواء كان باردا السماء رمادية والطريق شبه خال. وضعت شنطة صغيرة في المقعد الخلفي فيها ملابس قليلة وصورة قديمة لنا ثم قدت السيارة بصمت. كل دقيقة كنت أشعر أن شيئا ثقيلا ينتزع من داخلي كأنني أتحرر من سجن لم أكن أدرك أنني فيه. بعد ساعة تقريبا توقفت عند موتيل صغير على الطريق السريع. واجهة قديمة نوافذ ضبابية وواجهة نيون نصفها مطفأ. لكن المكان كان نظيفا وهادئا. الهدوء هذا ما كنت أحتاجه. استقبلنا رجل عجوز بابتسامة شاحبة سلمني المفتاح وقال وهو يشير إلى السلالم المعدنية الغرفة رقم سبعة فيها شمس الصبح. شكرته وصعدنا. الغرفة بسيطة سريران صغيران ستارة باهتة طاولة خشب مائلة. لكنها بدت لي كجنة مؤقتة. نامت ليلي بسرعة ووقفت أنا أمام النافذة أراقب الطريق الفارغ. السماء بدأت تصفو وشمس باهتة تمد خيوطها على الإسفلت. أمسكت بالهاتف كانت المكالمات بالعشرات. أسماء مألوفة حماتي زوجي أرقام أقارب. لم أجب. كتبت رسالة واحدة لمارك ثم محوتها. لم أكن أريد كلمات. بدلا من ذلك التقطت صورة لليلي وهي نائمة وبعثتها إليه دون أي تعليق. مرت الساعات ببطء. وفي منتصف النهار سمعنا طرقا قويا على الباب. فتحت فوجدت مارك واقفا. كان متعبا شاحب الوجه يحمل في عينيه خوفا وغضبا في آن واحد. قال وهو يحاول السيطرة على صوته كارن ماما في حالة هستيرية. بتقول إنك خطفت ليلي. رفعت حاجبي ببرود وقلت اختطاف أنا بس خدت بنتي بعيد عن الناس اللي نسيت إنها بنتهم. قال بعصبية هي كانت بتساعدك كارن. ضحكت بمرارة مساعدة ترك بنت تسع سنين وحيدة سبع ساعات عشان طبق اتكسر ده اسمه عقاب ولا قسوة سكت. قال بعد لحظة كان لازم تتكلمي معايا. رددت بحدة مكتومة كلمتك مليون مرة بس دايما كنت بتختار تصدقهم هما. نظر إلي بصمت طويل. كانت تلك اللحظة أول مرة أرى فيها تردده الحقيقي. ثم قال هكلمهم وأحل الموضوع. قلت وأنا أنظر في عينيه بثبات أنا بالفعل حليته. إزاي رجعت كل الهدايا اللي جابوها لليلي وسبتهم على باب بيتهم ومعاهم ورقة. ورقة! مكتوب فيها ما ينفعش تختاروا أنهي حفيدة تستحق الحب. تغير وجهه كأنه أدرك أن اللعبة انتهت. لكنه لم يقل شيئا. جلس على الكرسي ودفن وجهه في كفيه. كنت أراه للمرة الأولى بلا دفاع ولا كبرياء. رجل تاه بين أمه وضميره. قضينا اليوم في صمت ثم في المساء عاد مارك إلى البيت ليهدئ والدته. أما أنا فبقيت في الموتيل أنظر إلى ليلي وهي ترسم على الورق منظر بيت صغير تحيط به شمس كبيرة. قالت لي وهي تلونها بالأصفر دي شمسنا ماما. محدش يقدر يطفيها. ابتسمت وفي داخلي بدأت الخيوط الممزقة تتصل من جديد. بعد يومين عدنا إلى منزلنا. لكن شيئا لم يعد كما كان. لم تعد الصور على الحائط تحمل المعنى نفسه. ولا الأثاث له الدفء الذي كان. ليلي كانت أكثر صمتا لكن في عينيها شيء من القوة الجديدة. وفي المساء وهي تساعدني على ترتيب السرير قالت فجأة ماما هو الحب بيتغير سألتها ليه بتسألي قالت عشان تيتة كانت بتحبني وبعدين بطلت. قلت اللي بيحب بجد ما يعرفش يبطل. يمكن هي ما كانتش تعرف يعني إيه حب. هزت رأسها ثم قالت أنا بحبك على طول حتى لو كسرت طبق تاني. ضحكت من قلبي لأول مرة منذ شهور. مرت أسابيع ولم يتصل أحد. إلى أن جاء عيد ميلاد إيميلي. مارك أصر أن نذهب علشان نبقى مؤدبين قالها بابتسامة باهتة. وافقت لأنني أردت أن أنهي ما بدأته. دخلنا بيت حماتي والعيون كلها علينا. الهمسات تدور والابتسامات المصطنعة تتطاير في الجو. حماتي سوزان اقتربت وقالت بصوت منخفض متوتر كارن عملت فضيحة مش بسيطة. قلت بهدوء بارد أنا قلت الحقيقة. قالت إنتي بتبالغي إحنا سبناها مع الجارة. ابتسمت بسخرية غريب إن الجارة نفسها ما تعرفش كده. اشتعل الغضب في وجهها فقالت إنتي سممتي مارك ضد عيلته. نظرت لمارك وقلت لو قول الحقيقة سم يبقى العيلة دي مريضة من زمان. ساد صمت طويل. ثم قال مارك بصوت ثابت ماما كفاية. تقدري تكوني جزء من حياة ليلي لو هتحبيها كحفيدة زي الباقي. لكن لو هتكملي في التفرقة يبقى ما فيش مكان للمرارة دي في حياتنا. نظرت إليه بدهشة ثم قالت بغضب هتختارها علينا رد بهدوء قاطع أنا باختار بنتي. تجمدت القاعة. الضيوف تظاهروا بالانشغال بالطعام. ليلي أمسكت بيدي بقوة كأنها تؤكد أنها ليست وحدها. خرجنا معا والهواء في الخارج كان باردا لكنه منعش وكأنه يبارك قرارنا الصامت. في الطريق سألتني ليلي وهي تنظر من نافذة السيارة ماما إحنا لسه عيلة ابتسمت وقلت وأنا أمسك يدها الصغيرة كنا دايما عيلة يا ليلي بس المرة دي إحنا اللي اخترنا شكلها. مرت شهور. مارك بدأ يتغير ببطء. صار أكثر هدوءا وأكثر حضورا في حياة ليلي. كان أحيانا يحدثني بصوت خافت يمكن كنت أعمى فعلا يا كارن. كنت أجيبه مش أعمى بس كنت بتشوف من عين واحدة. وفي أحد الأيام جاءني اتصال من شرطة المقاطعة. قال الضابط إنهم تلقوا بلاغا من والدة مارك تتهمني بالخطف. ضحكت وقلت له بهدوء ابنتي معي وكل الأوراق تثبت ذلك. قال الضابط بابتسامة سمعها صوتي أكثر مما رآها يبدو أن حماتك لا تعرف القانون جيدا. أغلق المكالمة لكن شيئا في داخلي أدرك أن المعركة لم تنته بعد. بعد أسابيع قليلة علمت أن حماتي حررت وصية جديدة كتبت فيها أن كل أملاكها ستذهب إلى إيميلي. ضحك مارك بمرارة وقال حتى بعد كل اللي حصل لسه شايفانا ضيوف. قلت مش مهم. في النهاية اللي بيورث الكره بيورث الخسارة. بعد عام تقريبا جاءني ظرف بني بالبريد. فتحته فوجدت فيه رسالة قصيرة بخط يد سوزان يمكن ما كنتش أم كويسة لابني ولا جدة عادلة لحفيدتي. بس الليلة دي وأنا في المستشفى فهمت إني خسرت أغلى حاجة. لو ليلي لسه فاكرة صوتي قوليلها إني آسفة. ظلت الرسالة في يدي دقائق طويلة. ثم وضعتها في درج الطاولة بجوار صورة ليلي القديمة. لم أخبر مارك عنها إلا بعد شهور. قال وهو ينظر في الفراغ الاعتذار ساعات بييجي متأخر بس بييجي. وفي أحد أمسيات الشتاء بينما كنا نشرب الشوكولاتة الساخنة جاءت ليلي تحمل دفترها وقالت ماما كتبت قصة. فتحتها وقرأت كان في بنت صغيرة اسمها ليلي كانت فاكرة إن الحب بيتوجع. بس ماما علمتها إن الحب الحقيقي بيحمي مش بيأذي. ومن يومها قررت تبقى زي ماما لما تكبر. لم أتمالك نفسي. احتضنتها بقوة وقلت وانت فعلا بقيت السبب اللي خلاني أكون قوية. الليل كان هادئا والقمر يتسلل من الشباك. أطفأت المصباح ومددت يدي أتحسس شعرها الناعم وهي نائمة بجانبي. خارج النافذة كان هناك صمت مختلف تماما عن كل صمت عرفته من قبل. صمت الأمان لا الخوف. صمت البيت الذي صار بيتنا فعلا. وأنا أغمض عيني أدركت أن العدالة لا تأتي دائما من المحاكم ولا الانتقام من الصراخ. أحيانا يكفي أن تختار الرحيل وأن تترك الباب مفتوحا لعل من أخطأ يسمع الصدى.