القصة كاملة
كان المطر ينزل بهدوء على شوارع الحي الفقير بينما كانت نور، الطفلة ذات الأحد عشر عامًا، تجري بكل ما تملك من قوة وهي تضم علبتي اللبن إلى صدرها كأنهما كنز لا يقدر بثمن. قبل دقائق فقط كانت واقفة في السوبر ماركت تبكي وتتوسل للناس أن يسامحوها بعدما حاولت أخذ اللبن لإخوتها الصغيرين، ولم يكن أحد يسمع سوى كلمات الاتهام والسخرية، لكن رجلًا واحدًا كان يراقب المشهد بصمت. اسمه عمر الشناوي، رجل أعمال ناجح اعتاد رؤية الأرقام والعقود أكثر من رؤية البشر، لكنه في تلك اللحظة لم يستطع أن يبعد عينيه عن الطفلة التي كانت ترتجف خوفًا وجوعًا ومسؤولية أكبر من عمرها بكثير. دفع ثمن اللبن دون أن تشعر، ثم سار خلفها من بعيد حتى وصل إلى بيتها المتواضع في أحد الأزقة القديمة. دخل خلفها بعدما سمع بكاء طفلين صغيرين، وهناك رأى ما لم يكن يتوقعه أبدًا. رأى أمًا شابة مستلقية على سرير متهالك، شاحبة الوجه، بالكاد تتنفس من شدة الإرهاق والمرض، بينما كان التوأم الصغيران يبكيان من الجوع. ركضت نور إلى أمها وهي تصرخ بفرحة ممزوجة بالخوف وتقول إنها أحضرت اللبن، لكنها لم تحصل على أي رد. اقترب عمر بسرعة، وفحص الأم قدر ما يستطيع، ثم اتصل بالإسعاف فورًا. بعد دقائق وصلت سيارة الإسعاف
ونقلت الأم إلى المستشفى بينما أصر عمر على الذهاب معهم. كانت نور طوال الطريق تمسك بيده وكأنها تخشى أن تختفي آخر بارقة أمل في حياتها.
في المستشفى عرف عمر القصة كاملة. الأم اسمها سلمى، أرملة منذ أكثر من عامين بعدما توفي زوجها في حادث عمل. منذ ذلك اليوم وهي تحاول تربية أطفالها الثلاثة وحدها. كانت تعمل في تنظيف البيوت نهارًا وفي الخياطة ليلًا حتى تستطيع توفير الطعام والإيجار. قبل أيام قليلة أنجبت طفلين توأمًا بعد حمل صعب، لكن حالتها الصحية تدهورت بشدة بسبب سوء التغذية والإجهاد المتواصل وعدم قدرتها على شراء العلاج اللازم. لم يكن هناك أي قريب يساعدها ولا أي مصدر دخل ثابت. أما الرجل الذي ظهر عند باب البيت وأخاف نور فلم يكن سوى صاحب المنزل الذي كان يطالبها بالإيجار المتأخر ويهدد بطردهم من البيت في أي لحظة. لم يكن شريرًا بطبيعته، لكنه كان غاضبًا من تراكم الديون وخائفًا على مصدر رزقه الوحيد. عندما عرف الحقيقة كاملة وشاهد حالة الأطفال بنفسه، خجل من نفسه كثيرًا وقرر التراجع عن تهديداته.