الهدية المفخخه

تحدثت “هند” في الفيديو بصوت واضح للغاية بفضل الميكروفون الحساس: “هل أنت متأكد أن الكاميرا تعمل؟ أريد أن أرى كل ما يحدث في ذلك المنزل، أريد أن أعرف كيف تربي تلك المرأة ابنتنا، وكيف تحرض طارق علينا!”. أجابها “منصور” وهو يثبت العدسة: “الصورة واضحة تماماً، والتطبيق على هاتفك متصل بالبث المباشر. بمجرد أن يضعوا الدب في غرفتها، سنسمع ونرى كل شيء طوال الأربع وعشرين ساعة!”.

انقبضت معدتي وشعرت بقشعريرة رعب. لم تكن هذه مجرد رغبة في رؤية حفيدتهم، بل كان تجسساً ممنهجاً وانتهاكاً صارخاً لحرمة بيتنا وطفولتها!

التفت رمزي إلينا وقال بنبرة جادة: “هذه الأدلة كافية لإدانتهم فوراً”. نظر “طارق” إلى الشاشة، وبدا وكأن خنجراً غُرس في قلبه. تلاشت كل شكوكه، وتطلع نحو أخي “أحمد” وقال بصوت متحشرج وعينين مليئوتين بالدموع والصدمة: “أحمد… خذ هذا الدب، وخذ هذه الملفات… وافعل ما يجب عليك فعله”.

وبعد ثلاثة أيام… كان رجال الشرطة يطرقون باب بيت أحمائي بقوة لتنفيذ أمر استدعاء رسمي!

تحولت القض..ية إلى أروقة المحاكم. ونظرت القاضية من فوق نظارتها الطبية بملامح يكسوها الاشمئزاز التام، وقالت بحسم هز القاعة: “إن القلق الأبوي المغلوط لا يستلزم زراعة أجهزة تسجيل وتجسس مخفية!”.

أتذكر تلك العبارة بوضوح شديد، كما أتذكر كيف التفتت حماتي “هند” برأسها لتحدق فيّ بغلّ، وكأنني أنا من لقّنت القاضية تلك الكلمات. في ذلك اليوم، صدر أمر حماية قضائي صارم يمنع “هند” و”منصور” من الاتصال بنا، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر؛ ممنوع المكالمات، ممنوع الرسائل، وممنوع الهدايا، وتم حظرهم من الظهور عند مدرسة “ليان” أو منزلنا نهائياً.

عندما تُلِيَ الأمر القضائي، أصدرت “هند” صوتاً خافتاً ومثيراً للشفقة يشبه أنين حيوان جريح. أما “طارق”، فقد أغمض عينيه، وزفر أخيراً نفساً عميقاً بدا وكأنه يحبسه في صدره منذ سنوات طويلة.

لم تتأخر ردود أفعال العائلة؛ اتصلت عمة طارق تلومني على “تضخيم الأمور”، فمسح طارق الرسالة فوراً. أرسل ابن عمه يتساءل إن كان من الضروري إقحام الشرطة، فأجابه “طارق” بجملة واحدة حاسمة: “لقد خبأوا كاميرا تجسس داخل دمية ابنتي!”. ولم يجرؤ أحد على الرد بعدها.

حاول الأقارب تقزيم الجري..مة وإظهار “هند” في صورة الضحية المظلومة، وتكلموا عن المسامحة وكأنها تعني أن نتظاهر بعدم وجود الكاميرا! لكن “طارق” لم يلن. كتب رداً لأحدهم: “إن خصوصية ابنتي وسلامتها ليست موضوعاً للنقاش العائلي. وأي شخص يقلل مما حدث لن يكون له مكان في حياتنا”.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *