الهدية المفخخه
أفلت أحمائي من عقوبة السجن بقبولهم اتفاق تسوية والإقرار بالذنب، لكن العقوبات كانت صارمة؛ مراقبة قضائية، غرامات مالية، واستشارات نفسية إلزامية، مع تسجيل الجري..مة في سجلهم الجنائي الدائم، وتمديد أمر الحماية ليبقى ساري المفعول إلى أجل غير مسمى.
بعد الخروج من المحكمة، حاولت “هند” افتعال مشهد أخير في الممر، فتقدمت نحونا وقالت مستعطفة: “طارق، أرجوك.. أنا أمك”. فتدخل حرس المحكمة فوراً ووقف حائلاً بيننا وبينها وأمرها بصرامة بالتراجع. صرخت بغضب: “أريد فقط التحدث إلى ابني!”.
نظر إليها “طارق” أخيراً بنظرة ملؤها الشفقة، وقال كلمات أنهت كل شيء: “لا.. أنتِ لم تطلبي التحدث، بل أردتِ السيطرة والتجسس، وهناك فرق شاسع بين الأمرين”. ولأول مرة في حياتها، لم تجد “هند” كلمة واحدة ترد بها.
لم تعد الحياة إلى مجراها الطبيعي سريعاً؛ غيرنا أقفال الأبواب، وكلمات المرور، وتفويضات المدرسة. كنا نفحص كل لعبة تدخل بيتنا برعب وهوس. حتى “ليان” أصبحت تسألنا بخوف قبل أن تقبل أي هدية: “من أرسلها؟ هل فحصتموها؟ هل يمكنها رؤيتي؟”. كان كل سؤال منها يمزق قلبي، ولكن بمرور الأيام، قلّت أسئلتها وتجاوزت الصدمة تدريجياً.
بدأ “طارق” ارتياد جلسات العلاج النفسي ليتعلم كيف يضع حدوداً صارمة لحياته ويحمي عائلته دون شعور بالذنب، وتلك القناعات غيرته بخطوات ثابتة وراسخة.
في عيد ميلادها السابع، أقمنا حفلة مبهجة في حديقة المنزل. فتحت “ليان” الهدايا، وظهر من إحداها ثعلب قطني صغير. رفعتْه، وتأملت وجهه ملياً، ثم نظرت إليّ وقالت: “أمي؟”. اقتربتُ منها وسألتها بلطف: “تريدين مني أن أفحصه؟”. أومأت برأسها، فتفحصتُ كل إنش فيه ثم ابتسمتُ قائلة: “كل شيء سليم تماماً”.
ضمت الثعلب إلى صدرها، ولأول مرة منذ عام كامل، رأيتها تحتضن دمية قطنية دون أن تمر مسحة من الخوف على وجهها. أمسك “طارق” بيدي وضغط عليها بقوة. قال بصوت ناعم وهو يراقبها تركض وتضحك مع الأطفال: “أعتقد أننا سنكون بخير”. أرحتُ رأسي على كتفه وقلت: “لا.. نحن أفضل بكثير من مجرد بخير”.
الحقيقة هي أن ذلك الدب القطني لم يدمر عائلتنا، بل كشف فقط عن الجزء الفاسد والخطير منها.. وبمجرد أن رأيناه بوضوح، أغلقنا الباب في وجهه نهائياً، ومضينا في طريقنا نحو الأمان.