خلص الي بدأته – محمد نور
منذ خمسة أشهر، كنت راقدًا مشلولًا في سريري، بينما كانت زوجتي تظن أنني فقدت وعيي تمامًا.
ولهذا، وقفت بجوار سريري مباشرة، وضعت ظرفًا ممتلئًا بالمال في يد الطبيب الذي كان يعالجني، ثم انحنت نحوه وهمست:
— خلّص اللي بدأته.
أبقيت عينيّ مغمضتين، وواصلت التظاهر بالنوم.
لأنني في تلك اللحظة فهمت أن الحادث الذي تعرضت له لم يكن حادثًا عاديًا…
وأن الطبيب الذي يقف أمامي كان يخفي عنها شيئًا لم تكن تعرفه.
الجزء الأول
— خلّص اللي بدأته يا دكتور… طول ما هو عايش، أنا وإنت عمرنا ما هنقدر نكون مع بعض.
دفعت نادية ظرفًا سميكًا إلى صدر الدكتور سامح، الطبيب الذي تولى علاج زوجها منذ وقوع الحادث.
تردد الطبيب في أخذه، لكنها أخرجت يده من جيب بالطوه وأدخلت الظرف بنفسها.
على بعد مترين فقط، كان أحمد راقدًا بلا حركة على سرير طبي خاص.
كانت نادية تظن أنه لا يسمع شيئًا.
الأطباء أخبروها أن الحادث الذي وقع قبل أربعة أشهر على الطريق الصحراوي أدى إلى إصابة خطيرة في جهازه العصبي.
كان أحمد بالكاد يرمش.
لا يتكلم.
لا يحرك يديه.
حتى عملية البلع كان يحتاج فيها إلى مساعدة.
بالنسبة للجميع، لم يكن أكثر من جسد حي، لكن وعيه اختفى بداخله.
إلا أنهم كانوا مخطئين.
أحمد كان يسمع كل شيء.
سمع صوت الظرف وهو يتحرك.
وسمع تنفس الدكتور سامح المتوتر.
بل كان يستطيع تمييز صوت كعب حذاء نادية فوق أرضية الغرفة، تلك الأرضية الخشبية التي اختارها بنفسه قبل سنوات عندما كان يبني البيت بيده.
قال الطبيب بصوت خافت:
— أنا مقدرش أعمل كده.
ردت نادية ببرود:
— اللي حصل وقت الحادث كان مختلف.
— تقصدي الفرامل؟
شعر أحمد وكأن قلبه اصطدم بقفص من حديد.
قالت نادية بسرعة:
— وطي صوتك.
ثم نظرت إلى السرير.
— ليه؟ بص عليه. هو أصلًا مش عارف إحنا هنا.
حشد أحمد كل ما تبقى لديه من قوة حتى يظل ساكنًا.
اقتربت نادية من السرير.
كانت رائحتها مختلفة.
طوال ثلاثين عامًا، اعتاد عليها بعطور ناعمة ودافئة.
أما الآن، فكانت تضع عطرًا باردًا، غاليًا، غريبًا عنه.