منذ خمسة أشهر، كنت راقدًا مشلولًا في سريري، بينما كانت زوجتي تظن أنني فقدت وعيي تمامًا. ولهذا، وقفت بجوار سريري مباشرة، وضعت ظرفًا ممتلئًا بالمال في يد الطبيب الذي كان يعالجني، ثم انحنت نحوه وهمست: — خلّص اللي بدأته. أبقيت عينيّ مغمضتين، وواصلت التظاهر بالنوم. لأنني في تلك اللحظة فهمت أن الحادث الذي تعرضت له لم يكن حادثًا عاديًا... وأن الطبيب الذي يقف أمامي كان يخفي عنها شيئًا لم تكن تعرفه. الجزء الأول — خلّص اللي بدأته يا دكتور... طول ما هو عايش، أنا وإنت عمرنا ما هنقدر نكون مع بعض. دفعت نادية ظرفًا سميكًا إلى صدر الدكتور سامح، الطبيب الذي تولى علاج زوجها منذ وقوع الحادث. تردد الطبيب في أخذه، لكنها أخرجت يده من جيب بالطوه وأدخلت الظرف بنفسها. على بعد مترين فقط، كان أحمد راقدًا بلا حركة على سرير طبي خاص. كانت نادية تظن أنه لا يسمع شيئًا. الأطباء أخبروها أن الحادث الذي وقع قبل أربعة أشهر على الطريق الصحراوي أدى إلى إصابة خطيرة في جهازه العصبي. كان أحمد بالكاد يرمش. لا يتكلم. لا يحرك يديه. حتى عملية البلع كان يحتاج فيها إلى مساعدة. بالنسبة للجميع، لم يكن أكثر من جسد حي، لكن وعيه اختفى بداخله. إلا أنهم كانوا مخطئين. أحمد كان يسمع كل شيء. سمع صوت الظرف وهو يتحرك. وسمع تنفس الدكتور سامح المتوتر. بل كان يستطيع تمييز صوت كعب حذاء نادية فوق أرضية الغرفة، تلك الأرضية الخشبية التي اختارها بنفسه قبل سنوات عندما كان يبني البيت بيده. قال الطبيب بصوت خافت: — أنا مقدرش أعمل كده. ردت نادية ببرود: — اللي حصل وقت الحادث كان مختلف. — تقصدي الفرامل؟ شعر أحمد وكأن قلبه اصطدم بقفص من حديد. قالت نادية بسرعة: — وطي صوتك. ثم نظرت إلى السرير. — ليه؟ بص عليه. هو أصلًا مش عارف إحنا هنا. حشد أحمد كل ما تبقى لديه من قوة حتى يظل ساكنًا. اقتربت نادية من السرير. كانت رائحتها مختلفة. طوال ثلاثين عامًا، اعتاد عليها بعطور ناعمة ودافئة. أما الآن، فكانت تضع عطرًا باردًا، غاليًا، غريبًا عنه. انحنت فوقه وهمست: — أحمد... بكرة جاي واحد تاني يشوف البيت. ثم ابتسمت. — البيت اللي قضيت نص عمرك تبنيه وتدفع فيه من جيبك. فاكر إنت كنت بتوفر قد إيه عشان البيت ده؟ أهو في الآخر طلع له لازمة. ضغط الدكتور سامح على أسنانه. — كفاية يا نادية. — زعلان عليه؟ — اخرجي من هنا. ضحكت. — جهّز كل حاجة. أنا عايزة أبقى أرملة قبل ما أمضي عقد البيع. ثم خرجت من الغرفة. ظل أحمد يسمع صوت خطواتها وهي تهبط السلم. ساد الصمت. وبعد لحظات فتح الدكتور سامح حقيبته الطبية. سمع أحمد صوت أمبول يُكسر. ثم شعر بيد الطبيب على ذراعه. ثم شعر بالإبرة. انحنى الطبيب بجوار أذنه وهمس: — سامحني... بس اسمعني كويس. أنا مش هقتلك. حاول أحمد أن يرد. لم يستطع. قال الطبيب: — اللي هديهولك دلوقتي هيخليها تفتكر إن حالتك بتسوء. أنا محتاج وقت. ولو لسه جواك أي قدرة على المقاومة... استحمل. دخل السائل إلى وريده. شعر أحمد أولًا بحرارة شديدة. ثم ببرودة قاسية. وبدأ العالم من حوله يختفي. وقبل أن يفقد وعيه تمامًا، سمع صوتًا آخر. الدكتور سامح أخرج الظرف من جيبه. لكنه لم يأخذ المال. بل أخفاه تحت المرتبة. --- استعاد أحمد وعيه بعد عدة ساعات. ولم يلاحظ أحد. خلال الأيام التالية، أصبح جسده سجنه الحقيقي. تعلم أن يقيس الوقت من خلال الأصوات. في السابعة صباحًا، تعمل ماكينة القهوة. في التاسعة، تأتي السيدة التي تساعده في النظافة وتغيير ملابسه. عند الظهر، تبدأ نشرة الأخبار. وفي فترة العصر، كانت نادية تتحدث في الهاتف. وفي اليوم التاسع، جاء رجل من مكتب عقارات لمعاينة البيت. قال الرجل وهو يتجول في المكان: — البيت جميل جدًا. مين اللي عمل التشطيبات دي؟ تذكر أحمد كل شيء. الإجازات التي ألغاهـا من أجل البيت. الليالي التي قضاها في طلاء الجدران. الورشة الصغيرة التي بناها في الفناء. وعشرات العطلات الأسبوعية التي قضاها مع شقيقه في بناء الجدران وترميمها. لكن نادية أجابت ببساطة: — إحنا جبنا صنايعية. شعر أحمد بالغضب يحرق صدره. لكنه لم يستطع إظهار أي شيء. في تلك الليلة، حدث شيء غريب. تحرك إصبع في قدمه اليمنى. حركة صغيرة جدًا. ربما أقل من ملليمتر. لكنه تحرك. بعد ثلاثة أيام، استطاع تحريك إصبع آخر. ثم، في أحد الأيام، بينما كانت الممرضة تفتح النوافذ لتهوية الغرفة، سمع نادية تتحدث في المطبخ. وكان يسمع كل كلمة. — اهدى يا محمود... محدش يقدر يثبت حاجة. صمت قصير. — طبعًا عارفة أنا عملت إيه. ثم قالت: — أنا قطعت السلك من جوه، في المكان اللي الدكتور سامح قالي عليه. المكان اللي هيخلي الموضوع يبان كأنه تلف طبيعي من الاستهلاك. توقف العالم داخل أحمد لثوانٍ. لم يكن حادثًا. زوجته هي التي تسببت في الحادث. واصلت نادية كلامها: — أيوه يا حبيبي. أول ما أبيع البيت، الفلوس هتبقى كفاية لنا عشان نسافر ونبدأ حياتنا. ومع التعويض والتأمين والحسابات... إحنا هنكون مرتاحين جدًا. شعر أحمد بإصبع آخر يتحرك. ثم بدأت يده تستجيب. ضحكت نادية في الهاتف. — سامح لسه فاكر إني بعد كل ده هفضل معاه. مسكين. في تلك الليلة، وبعد أن نام الجميع، استطاع أحمد أن يغلق يده ببطء. ولأول مرة منذ شهور، أدرك حقيقتين. الأولى: زوجته حاولت قتله. والثانية: الدكتور سامح، الذي بدا في البداية وكأنه جزء من الخطة، كان يحاول الآن إبقاءه حيًا. لكن أحمد لم يكن يعرف بعد الحقيقة الأسوأ. فقد كانت نادية قد حددت بالفعل اليوم الذي تريد أن تصبح فيه أرملة. ولم يتبقَ سوى أقل من ثلاثة أسابيع. وما حدث بعد ذلك، حتى لو رآه شخص بعينيه، ربما لن يصدقه. الجزء الثاني منذ تلك الليلة، بدأ أحمد رحلة تأهيل سرية. في النهار كان يظل ساكنًا تمامًا. وفي الليل كان يتدرب. في البداية حرّك أصابعه. ثم رسغه. وبعدها استطاع رفع ساقه بضعة سنتيمترات. كان جسده يستجيب ببطء، كأنه آلة ظلت متوقفة لسنوات ثم حاول أحدهم تشغيلها من جديد. لكنه كان يستجيب. وكانت الحاجة فاطمة، ممرضة في الستين من عمرها، هي الشخص الوحيد الذي ظل يعامله كإنسان. كانت تأتي صباحًا وتفتح الستائر وهي تقول: — صباح الخير يا أستاذ أحمد. بص بقى الدنيا عاملة إزاي! الياسمين في الحوش بدأ يزهر. كان أحمد يتمنى أن يمسك يدها ويشكرها. لكنه لم يفعل. لو اكتشفت نادية أنه بدأ يتحسن، كان يعرف جيدًا ماذا سيحدث. أما الدكتور سامح، فكان يأتي مرتين في الأسبوع. يقيس ضغطه. يفحص ردود أفعاله. ثم يكتب تقارير مزيفة تفيد بأن حالته تتدهور باستمرار. لكن عندما يكونان وحدهما، كان يقترب من أذنه ويهمس: — الدواء شغال. ردود أفعالك بدأت تتحسن. وفي أحد الأيام، قرر أن يخبره بكل شيء. قال: — أنا كنت أعرف نادية قبل ما تتجوزك. صمت لحظة. — كنت بحبها من أيام الجامعة. عمري ما قلت لها. ابتلع ريقه. — قبل الحادث بسبعة شهور، اتصلت بي وهي بتعيط. قالت لي إنك بتتحكم فيها، وإنك بتعاملها وحش، وإنك حاصرها ماديًا. تنفس بصعوبة. — صدقتها... لأني كنت عايز أصدقها. ثم قال: — سألتني إزاي نظام الفرامل ممكن يتعطل من غير ما يبان إن فيه حد لعب فيه. توقف. — وأنا زي الغبي شرحت لها. ظل أحمد صامتًا. — كنت فاكرها مجرد مناقشة نظرية. لكن بعدها حصل الحادث. خفض الطبيب رأسه. — لما وصلت المستشفى وشوفتها، فهمت كل حاجة. إنت كنت بتحارب عشان تعيش، وهي كانت أول حاجة بتسأل عنها: إمتى ممكن يتقال رسميًا إنك فاقد للأهلية؟ كان الدكتور سامح قد ارتكب خطأً فادحًا. لكنه منذ ذلك الوقت حاول إصلاحه. العلاج الذي كان يعطيه لأحمد كان علاجًا تجريبيًا لتنشيط الجهاز العصبي، ولم يكن قد أصبح متاحًا على نطاق واسع. لم يكن هناك ضمان للنتيجة. لكن النتائج الأولى كانت مذهلة. قال الطبيب: — هي فاكرة إني بديك علاج بيطفّي جسمك واحدة واحدة. ثم ابتسم بحزن. — لكن الحقيقة إني بعمل العكس تمامًا. وفي الوقت نفسه، كان يسجل محادثاته مع نادية. تعليماتها. تهديداتها. كلامها عن الحادث. البيت. الفلوس. كل شيء. قال: — عندي تسجيلات لأربع شهور في خزنة بنكية. ثم أضاف: — والظرف اللي ادتهولي لسه معايا. عليه بصماتها. سكت قليلًا. ثم قال: — بس فيه مشكلة تانية. أحمد انتبه. — فيه راجل تاني. محمود. رجل في أواخر الثلاثينات، يعمل مدربًا خاصًا في أحد الأندية. سيارة جديدة. ملابس غالية. وثقة زائدة عن الحد. بدأ أحمد يراه عندما كانت نادية تطلب من العاملين أن ينقلوه إلى غرفة المعيشة على كرسيه المتحرك كلما جاء أحد لمعاينة البيت. كانت تضعه أمام النافذة كأنه قطعة أثاث. وفي أحد الأيام دخل محمود، وقبّل نادية من رقبتها، ثم نظر إلى أحمد. — إنت متأكد إنه مش فاهم حاجة؟ ردت: — ولا حاجة. مخه انتهى. اقترب محمود منه وصفق بأصابعه أمام عينيه. ظل أحمد ينظر إلى نقطة في الحائط. لم يرمش حتى. قال محمود: — منظره يخوف. ضحكت نادية. — ده تقريبًا بقى نبات. استدار محمود. لكن أحمد حفظ ملامحه جيدًا. --- بعد أسبوع، سمع الحديث الذي حسم كل شيء. كان الدكتور سامح جالسًا أمام نادية في غرفة المعيشة. قال: — إحنا اتفقنا على حاجة. إنتِ قلتي بعد كده هنكون مع بعض. ربتت نادية على خده. — وهنتكون مع بعض فعلًا، أول ما تخلص الجزء بتاعك. — أنا عملت أكتر من كفاية. — لأ. أحمد لسه عايش. — البيت ممكن يتباع بتوكيل. — وأنا مش عايزة بعدين محامي يظهر ويطعن في البيع. التوقيع يوم سبعة وعشرين. قبلها لازم أبقى أرملة. شحب وجه الطبيب. — يوم سبعة وعشرين؟ — يوم سبعة وعشرين. في تلك الليلة، عندما انفرد الطبيب بأحمد، اقترب منه وقال: — هي عايزة تتخلص مننا إحنا الاتنين. توقف قليلًا. — بعد ما تخلص منك، أنا هكون الدور اللي بعدك. أنا عارف عنها كتير. ثم شرح له الخطة. في ليلة السادس والعشرين، سيوقف الدواء الذي يجعل أحمد يبدو وكأنه فاقد تمامًا للقدرة على الحركة. وسيخرجه من البيت. ثم ينقله إلى عيادة خاصة في القاهرة، حيث يوجد طبيب قديم يعرفه ويمكنه حمايته. ومن هناك، سيتم إبلاغ النيابة. قال: — التسجيلات معايا. الفلوس معايا. التواريخ كلها مكتوبة. حتى الكلام اللي قلته لها عن الفرامل مسجل. ثم أضاف: — أنا مش هقدر أقول إني بريء. غبائي كاد يقتلك. ولازم أتحمل مسؤولية ده. أمسك يد أحمد. — لكن هي كمان لازم تتحاسب. ثم قال: — محتاجك تستحمل يومين بس. ولأول مرة، خالف أحمد قاعدته. أغلق أصابعه حول يد الطبيب. بضعف. لكن فعلها. تجمد الدكتور سامح في مكانه. وامتلأت عيناه بالدموع. لم يقل شيئًا. --- في مساء السادس والعشرين، أعدت نادية العشاء. أشعلت الشموع. وأخرجت الأطباق التي كانت تستخدمها قديمًا في ذكرى زواجهما. أعدت وجبة كان أحمد يحبها، نفس الطعام الذي كانت تطهوه في السنوات الأولى من زواجهما. ثم قالت للحاجة فاطمة: — روحي ارتاحي النهارده. أنا ههتم بيه. شعر أحمد بالخطر فورًا. وصل الدكتور سامح في الثامنة مساءً. كان يرتدي بدلة. أما نادية فارتدت الفستان الأسود الذي أهداها إياه أحمد في ذكرى زواجهما الخامسة والعشرين. قالت: — بكرة حياتنا الجديدة هتبدأ. ثم ملأت الكؤوس. الدكتور سامح بالكاد شرب. وأثناء العشاء، نهضت نادية. — هجيب الحلو. خرجت من الغرفة. لكن الدكتور سامح ظل يراقبها. وأحمد كان يرى كل شيء من انعكاس الزجاج. أخرجت نادية زجاجة صغيرة من ملابسها. فتحتها. ثم سكبت ما بداخلها في كوب الدكتور سامح. لم يلاحظ. رفع الكوب. وشرب. جمع أحمد كل القوة التي راكمها خلال خمسة أشهر. وحاول إصدار صوت. خرج من حلقه صوت أجش ومشوّه. استدار الطبيب. ولأول مرة، التقت عيناه بعيني أحمد بشكل حقيقي. نظر الطبيب إلى الكوب. وفهم. حاول أن يتقيأ. لكن الوقت كان قد فات. بدأت ساقاه في الارتخاء. وقبل أن يسقط، فعل شيئًا لم يفهمه أحمد. أخرج حقنة من حقيبته. ملأها بمادة مجهولة. ثم اتجه مترنحًا إلى خزانة المشروبات. أخرج زجاجة قديمة كانت نادية تحتفظ بها للاحتفال ببيع البيت. أدخل الإبرة عبر سدادة الفلين. وحقن كل ما في السرنجة داخل الزجاجة. ثم أخرج الإبرة وأسقط السرنجة خلف الخزانة. عاد إلى الطاولة في اللحظة التي دخلت فيها نادية وهي تحمل الحلوى. نظر الطبيب إلى أحمد للمرة الأخيرة. وابتسم. ثم سقط على الأرض. لم تتصل نادية بالإسعاف فورًا. نظرت إلى ساعتها. وانتظرت. عندها أدرك أحمد أنه يشهد جري\مة قت\ل جديدة. لكنه لم يكن يعرف ماذا حقن الدكتور سامح في زجاجة الشراب. ولم يكن يعرف أيضًا أن نادية ستشرب منها قبل طلوع الفجر. الجزء الثالث كان الدكتور سامح ملقى على الأرض. ونادية تراقب تنفسه وهو يضعف. لم تصرخ. لم تطلب المساعدة. لم تحاول إنقاذه. انتظرت فقط. وعندما انحنت أخيرًا لتتحسس نبضه، فعلت ذلك بهدوء شديد. ثم تنهدت. — يا خسارة يا سامح. نظرت إلى الكرسي الذي يجلس عليه أحمد. كان ما زال ساكنًا. قالت: — واحد عنده اتنين وخمسين سنة، ضغط شغل، مناوبات، ومشاكل في القلب... بتحصل. ثم أخرجت هاتفها. وما حدث بعد ذلك كان أكثر صدمة لأحمد من الجري\مة نفسها. ففي اللحظة التي رد فيها موظف الطوارئ، تحولت نادية إلى امرأة أخرى. بدأت تبكي. — ألحقوني! ابعتوا إسعاف بسرعة! الدكتور سامح وقع فجأة ومش بيتنفس! أنا مش عارفة أعمل إيه! كانت تمثل ببراعة. وبعد دقائق وصلت سيارة الإسعاف. ثم وصلت الشرطة. سألها أحد الضباط: — إيه اللي حصل؟ أجابت: — الدكتور سامح، دكتور جوزي، كان جاي يزورنا. اتعشينا سوا، وفجأة وقع. نظر أحد الضباط إلى أحمد. — جوز حضرتك شاف حاجة؟ اقتربت نادية من أحمد وربتت على كتفه. — هو أصلًا مش شايف ولا فاهم حاجة. حالته شبه غيبوبة كاملة. وأخرجت ملفه الطبي. هز الضابط رأسه. شعر أحمد بإهانة جديدة. الأوراق التي جعلته في نظر الجميع عاجزًا عن فهم أي شيء، كانت هي نفسها التي سمحت لنادية أن تتحدث أمامه بحرية طوال هذه الشهور. نُقل الدكتور سامح إلى المستشفى. ومن نظرات المسعفين، فهم أحمد أنه على الأرجح لن ينجو. --- بعد منتصف الليل، هدأ البيت. جمعت نادية الأطباق. ثم بدأت تدندن. عرف أحمد اللحن فورًا. كان اللحن الذي رقصا عليه ليلة زفافهما. قبل واحد وثلاثين عامًا، كانت نادية قد وضعت رأسها على صدره ووعدته بأن يكبرا معًا. ظل أحمد يتساءل: متى اختفت تلك المرأة؟ وهل كانت موجودة أصلًا؟ أم أنه أحب طوال ثلاثين عامًا امرأة لم تكن موجودة إلا في خياله؟ وضعت نادية الأطباق في المطبخ. ثم عادت ونظرت إلى خزانة المشروبات. إلى الزجاجة. تذكر أحمد الدكتور سامح وهو يحقن شيئًا داخلها. لم يكن يعرف ما المادة. لكنه كان يعرف شيئًا واحدًا. سامح كان طبيبًا. وحتى وهو يحتضر، استخدم ما تبقى لديه من قوة ليترك لها فخًا. أخرجت نادية الزجاجة. — عارف يا أحمد؟ نظرت إليه. — كنت ناوية أفتحها بكرة بعد ما أخلص موضوع البيع. ثم ابتسمت. — بس أعتقد إن النهارده برضه يستاهل نحتفل. أحضرت فتاحة زجاجات. وانكسر جزء صغير من الفلين. ملأت كأسًا لنفسها. كان الشراب داكنًا. شبه أسود. قالت: — الزجاجة دي غالية جدًا. وإنت طول عمرك بتقول ما نفتحهاش غير في مناسبة مهمة. رفعت الكأس. — هو فيه مناسبة أهم من دي؟ ثم قالت: — لحياة جديدة. رفعته في اتجاه أحمد. — ولمحمود. وشربت. ثم ضحكت. — وليك يا أحمد... عشان أخيرًا مش هتبقى واقف في طريقي. وشربت مرة ثانية. هذه المرة كمية كبيرة. انتظر أحمد. خلال خمسة أشهر، تعلم أن الانتظار أحيانًا يكون نوعًا من القتال. ثلاثون ثانية. دقيقة. دقيقتان. ذهبت نادية إلى المطبخ. وعندما عادت، حاولت الإمساك بالكأس. لكن يدها مرت بجانبه. قطبت حاجبيها. حاولت مرة أخرى. أصابعها لم تستجب. — إيه...؟ خرج صوتها غريبًا. خطت خطوة. فانهارت ساقها اليمنى. استندت إلى الخزانة. بدأت تلهث. ثم نظرت إلى الزجاجة. ثم إلى السدادة. ثم إلى المكان خلف الخزانة. وتذكرت سامح. رأى أحمد لحظة الفهم في عينيها. كان الطبيب يعرف أنه لن ينجو. وقرر أن يترك لها فخًا أخيرًا. حاولت نادية الوصول إلى هاتفها. كان فوق الطاولة. خطت نصف خطوة. ثم سقطت على ركبتيها بجوار الأريكة. حاولت إغلاق يدها. لكن أصابعها لم تستطع. حاولت الصراخ. لم يخرج من حلقها سوى صوت ضعيف. وفي تلك اللحظة، سمعت شيئًا خلفها. صوت عجلات الكرسي. استدارت بعينيها. كان أحمد يمسك بمساند الكرسي بكلتا يديه. شد عضلاته. ارتجفت ساقاه بعنف. كان يتدرب لأسابيع، كل ليلة، على الوقوف مستندًا إلى السرير. لم ينجح قط في البقاء واقفًا أكثر من خمس عشرة ثانية. ولم يستطع الوقوف من دون دعم. لكن هذه الليلة لم يكن هناك أحد لينقذه. وقف. سنتيمترًا بعد سنتيمتر. كانت ركبتاه ترتجفان. ظهره يحترق. ذراعاه تهتزان. لكنه في النهاية استقام. حدقت نادية فيه. تغير وجهها بالكامل. المرأة التي كانت قبل دقائق تشرب احتفالًا بموته، أدركت الآن أن الرجل الذي وصفته طوال شهور بأنه مجرد "نبات" يقف أمامها. واعٍ. ينظر إليها. ويقف على قدميه. خطا أحمد خطوة. ثم ثانية. استند إلى الطاولة. لم يقل شيئًا. لم يكن بحاجة إلى ذلك. ظهر الرعب في عيني نادية. وكان أحمد يعرف تمامًا ما يدور في رأسها. كم سمع؟ المكالمة مع محمود؟ بيع البيت؟ التأمين؟ الفرامل؟ حديثها مع الدكتور سامح؟ التهديدات؟ لقد سمع كل شيء. كل شيء. حاولت نادية الكلام. — أح... م... لكن لسانها لم يعد يطيعها. اقترب أحمد منها. خلال الشهور الماضية، تخيل هذه اللحظة مئات المرات. كان يتخيل أنه سيصرخ في وجهها. يسألها لماذا. يذكرها بيوم ولادة ابنتهما. بالإجازات. بأعياد الميلاد. بأول بيت اشتريا فيه الأثاث. وبالثلاثين عامًا التي عاشاها معًا. لكن عندما وقف أمامها أخيرًا، اكتشف أن كل الكلمات بلا قيمة. نظر حوله. كانت هناك صورة زفاف على الرف. أمسكها. كانا في الصورة شابين، بالكاد تجاوزا العشرين. كان أحمد يرتدي بدلة استعارها من شقيقه. ونادية تضحك وهي تحمل باقة ورد كبيرة. وضع أحمد الصورة أمامها. نظرت إليها. ولأول مرة تلك الليلة، ظهر في عينيها شيء غير الخوف. ربما الخجل. ربما الندم. وربما فقط الخوف من خسارة الحياة المريحة التي اعتبرتها حقًا لها. لم يهتم أحمد بمعرفة الحقيقة. اتجه إلى الهاتف الأرضي. كل خطوة كانت تؤلمه. طلب الطوارئ. كان إصبعه لا يزال عاجزًا عن الانثناء بشكل طبيعي. وعندما سمع صوت الموظف، حاول الكلام. في البداية لم يخرج سوى الهواء. حاول مرة أخرى. — اسمي... أحمد. كان صوته خشنًا كأنه لم يستخدمه منذ سنوات. — محتاج شرطة... وإسعاف. أخذ نفسًا. — فيه واحدة هنا اتسممت. وأنا عايز أبلغ عن محاولة قتلي من خمسة شهور. بدأ الموظف يطرح عليه الأسئلة. أعطاه العنوان. ثم قال: — دوروا على خزنة بنكية باسم الدكتور سامح. فيها تسجيلات. وفيها فلوس ادتها له مراتي. وفيها دليل على التلاعب في فرامل عربيتي. نظر إلى نادية. ثم قال: — أنا سمعت كل حاجة. --- بدأ التحقيق في الليلة نفسها. نجت نادية. المادة التي حقنها الدكتور سامح في الشراب لم تقتلها، لكنها تسببت لها في شلل مؤقت وحاد. استقرت حالتها بعد ساعات. لكن هذا كان بالنسبة لها بداية العقاب الحقيقي. لأنها أصبحت تسمع كل شيء. تمامًا كما سمع أحمد كل شيء طوال الشهور الماضية. من سرير المستشفى، سمعت المحققين وهم يخبرونها أنهم فتشوا الخزنة الخاصة بالدكتور سامح. وجدوا فيها تسجيلات لأربعة أشهر. تحدثت نادية فيها عن بيع البيت. والتأمين. وأحمد. ومحمود. والحادث. ووجدوا أيضًا الظرف الممتلئ بالمال، بالإضافة إلى مذكرات بخط الدكتور سامح يشرح فيها سبب احتفاظه به. لكن الدليل الأقوى كان تسجيلًا يعود إلى ثلاثة أشهر سابقة. كان صوت نادية واضحًا: — أنا قطعت السلك بالضبط في المكان اللي قلت لي عليه. ومحدش شك في حاجة. رد الدكتور سامح: — أنا ما قلتلكيش اقطعيه. — لكنك شرحت لي إزاي أعملها. — لأني كنت فاكر إننا بنتكلم عن حالة نظرية. — خلاص بقى، ما تعملش فيها قديس. غيّر التسجيل مسار التحقيق بالكامل. أعاد الخبراء فحص سيارة أحمد. وكانت شركة التأمين قد احتفظت ببعض الأجزاء المهمة بسبب استمرار الق\ضية. وجد الخبراء آثارًا لا يمكن تفسيرها باعتبارها تلفًا طبيعيًا. ثم ظهرت عمليات بحث على أجهزة مرتبطة بنادية. أنظمة فرامل السيارات. أوقات الرحلات. أعراض بعض الأدوية. إجراءات إعلان فقدان الأهلية. الميراث. التأمينات. وبيع ممتلكات الأشخاص غير القادرين على إدارة شؤونهم. كلها عمليات بحث مرتبطة بأجهزتها. --- أما محمود، فتم استجوابه. في البداية أنكر كل شيء. وقال إنه كان يعتقد أن أحمد تعرض لحادث عادي، وأن علاقته بنادية بدأت بعد الحادث. لكن عندما عرض المحققون عليه الرسائل، انهارت روايته. كانت هناك رسالة أرسلتها نادية قبل الحادث بأسابيع: "استنى بس. الأول لازم أخلص موضوع أحمد." وفي رسالة أخرى: "لما كل ده يخلص، البيت هيكون طريقنا للخروج." ظل محمود يدعي أنه كان يعتقد أنها تتحدث عن الطلاق. أما مدى معرفته بالخطة، فترك للتحقيق والقضاء تحديده. لكن شيئًا واحدًا حدث فورًا. عندما أدرك محمود حجم الق\ضية، استعان بمحامٍ وقطع كل علاقته بنادية. المرأة التي أرادت التخلص من زوجها لتبدأ حياة جديدة، وجدت نفسها في المستشفى، والرجل الذي خاطرَت بكل شيء من أجله لا يريد حتى الرد على اتصالاتها. --- تم إيقاف بيع البيت. وطُعن في التوكيل. ووُضعت الحسابات تحت رقابة القضاء. أما أحمد، فنُقل إلى مركز متخصص لإعادة التأهيل. كان التعافي بطيئًا. أبطأ بكثير مما كان يتمنى. عندما استطاع للمرة الأولى أن يمشي عشرة أمتار دون مساعدة، كان منهكًا تمامًا. وعندما أمسك ملعقة للمرة الأولى، سكب نصف الطعام على ملابسه. وعندما حاول كتابة اسمه، بدت الكلمات كأن طفلًا صغيرًا كتبها. لكن كل حركة صغيرة كانت بالنسبة إليه انتصارًا. تحريك إصبع. إغلاق اليد. ارتداء ملابسه بنفسه. الصعود على درجة واحدة. لقد أمضى أحمد شهورًا داخل جسد لا يطيعه. والآن أصبحت كل حركة يقول بها: أنا لسه هنا. --- زارت الحاجة فاطمة أحمد في مركز التأهيل. كانت تحمل معها بعض المخبوزات. عندما رآها، ابتسم. وقال بصعوبة: — إنتِ... كنتِ... بتتكلمي معايا دايمًا. تجمدت المرأة. — إنت كنت سامعني؟ هز أحمد رأسه. بدأت تبكي. وامتلأت عيناه بالدموع أيضًا. لكنه ابتسم. — كل حاجة. جلست بجواره. — يعني كنت سامعني وأنا بقولك كل يوم ما تستسلمش؟ ابتسم أحمد. — عشان كده... ما استسلمتش. --- بعد عدة أشهر، أصبح أحمد قادرًا على الإدلاء بشهادته رسميًا. توصل التحقيق إلى أن الدكتور سامح يتحمل مسؤولية إعطاء نادية معلومات فنية استخدمتها في العبث بفرامل سيارة أحمد. لكن لم يتم العثور على دليل يثبت أنه شارك بنفسه في قطع السلك. كما اتضح أنه بعد الحادث حاول إنقاذ أحمد وجمع الأدلة ضد نادية. موته لم يمحُ أخطاءه. لكنه لم يمحُ ما فعله لاحقًا أيضًا. لم يعتبره أحمد بطلًا. لكنه لم يعتبره وحشًا. وعندما سأله أحدهم عن رأيه فيه، قال: — كان إنسان ارتكب غلطة جبانة جدًا... وبعدها دفع تمن غلطته غالي، وحاول يصلح اللي عمله. --- وجهت إلى نادية اتهامات بالتلاعب المتعمد في سيارة أحمد، ومحاولة قتله، وتسميم الدكتور سامح، ومحاولات الاحتيال والاستيلاء على أمواله وممتلكاته. وعندما تحسنت حالتها بما يكفي لحضور جلسات التحقيق، طلبت أن تتحدث مع زوجها. رفض أحمد لأسابيع. ثم وافق على لقاء قصير بحضور المحامي. كانت نادية قد أصبحت أنحف بكثير. ولم تعد تضع ذلك العطر الغالي. قالت: — أحمد... انتظر. — أنا عارفة إن مفيش حاجة تخليني أستحق السماح. لم يرد. — مش عارفة إمتى بقيت إنسانة بالشكل ده. نظر إليها أحمد لثوانٍ. ثم قال: — أنا عارف. رفعت عينيها. — إمتى؟ أجاب: — كل مرة قررتِ فيها إن حد تاني يدفع تمن الحاجة اللي إنتِ عايزاها. خفضت رأسها. وبدأت تبكي. ثم سألت: — إنت بتكرهني؟ فكر أحمد قليلًا قبل أن يجيب. — شهور وأنا كنت فاكر إن أول ما أقدر أتكلم، هقولك قد إيه أنا بكرهك. سكت. — ودلوقتي؟ هز رأسه. — دلوقتي عندي حاجات أهم أعملها في حياتي. ثم وقف. كان لا يزال يستخدم عصاه. واتجه نحو الباب. نادته نادية مرة أخيرة. — أحمد... لكنه لم يلتفت. --- بعد عام، عاد أحمد نهائيًا إلى بيته. لم يتم بيع المنزل. ليس لأنه أراد الاحتفاظ بكل ذكريات زواجه. ولكن لأنه رفض أن تسمح جري\مة نادية بأن تقرر أين تنتهي قصته. \ غيّر الأثاث. وأعاد طلاء الجدران. وغيّر شكل غرفة النوم القديمة. وأعاد فتح الورشة الصغيرة الموجودة في الفناء. وفي أحد الأيام وجد بيتًا خشبيًا صغيرًا كان قد بدأ في صنعه قبل الحادث ولم يكمله. كان قد صنعه يومًا ليهديه لأحد أحفاده. جلس أحمد أمام طاولة العمل. أمسك ورقة الصنفرة. كانت يده لا تزال ترتجف قليلًا. وبدأ يعمل. صوت احتكاك الورق بالخشب. مرة. ثم مرة أخرى. ثم مرة ثالثة. كان الصوت بالنسبة إليه جميلًا بشكل لا يوصف. خمسة أشهر كاملة، كان عالمه مليئًا بأصوات لا يملك السيطرة عليها. أما هذا الصوت، فكان هو الذي يصنعه. بيده. عندما انتهى، خرج إلى الفناء. كانت الأشجار مزهرة. أخذ نفسًا عميقًا. لقد خسر زوجته. وخسر صديقًا. وخسر شهورًا من حياته. لكنه استعاد شيئًا اعتقد الجميع أنه مات. استعاد نفسه. وأدرك أخيرًا أن النجاة لا تعني دائمًا أن تعود إلى الحياة التي كنت تعيشها من قبل. أحيانًا تعني النجاة أن تتقبل أن حياتك القديمة انتهت. ثم تنظر إلى كل ما بقي من الحطام، وتجمع شجاعتك، وتبني حياة جديدة... بعيدًا عن الأشخاص الذين حاولوا أن يدفنوك وأنت حي. رفع أحمد عينيه إلى البيت. نفس البيت الذي كانت نادية قد قررت بيعه في خيالها، بينما كان هو يرقد على بعد أمتار منها، عاجزًا عن الحركة. ابتسم. طوال شهور، كانت تتحدث أمامه بكل أريحية لأنها كانت مقتنعة أن الرجل الذي لا يستطيع الرد لا يستطيع الدفاع عن نفسه. لكن ذلك كان أكبر خطأ ارتكبته. لأن أحمد كان يسمع. وكان يتذكر. وبينما كان الجميع ينتظرون موته... كان هو، في صمت، ليلة بعد ليلة، يتعلم من جديد كيف يقف على قدميه. النهاية خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد