ضرتي

العيلة.
وقعدوا كلهم في بيت الجد القديم.
نفس البيت اللي شهد أفراح وأحزان العيلة كلها.
فؤاد دخل وهو واثق.
لكن أول ما شاف الملفات الكثيرة قدامه…
بدأ القلق يظهر على وشه.
قال
هو إحنا عاملين محكمة؟
رد محمود بهدوء
لا.
إحنا بندور على الحقيقة.
وبدأ يحط المستندات قدامه واحدة واحدة.
فؤاد حاول يلف ويدور.
مرة يقول ناسي.
مرة يقول مش فاكر.
مرة يقول الموضوع قديم.
لكن كل إجابة كانت بتوقعه أكتر.
لحد ما كريم قال فجأة
طب بصراحة.
وسكت لحظة.
لو أنت مظلوم…
ليه حاولت تبيع الورقة الأصلية من سنة؟
فؤاد اتجمد.
كل الموجودين بصوا له.
قال بعصبية
مين قال كده؟
رد كريم
صاحب مكتب العقارات.
وساعتها عرفوا إنه اتكشف.
بعد ساعات طويلة من الكلام…
فؤاد اعترف.
اعترف بكل حاجة.
من سنين طويلة.
وقت مرض الجد.
استغل حالة الارتباك اللي كانت في العيلة.
واستغل ثقة الناس فيه.
وحوّل جزء من الأرض باسمه بطريقة ملتوية.
وبعدين باعها.
وأخفى الفلوس.
سنين كاملة.
كان عايش عادي.
ولا حد شاكك فيه.
ولا حد عارف الحقيقة.
الصدمة كانت كبيرة.
لكن الغريب إن أكتر شخص اتأثر ما كانش محمود.
كان كريم.
بعد ما رجعنا البيت.
قعد لوحده فترة طويلة.
ولما روحت أكلمه…
لقيته سرحان.
قلت
مالك؟
تنهد.
وقال
عارفة يا طنط…
دي كانت أول مرة يناديني كده بنبرة كلها احترام.
وقال
أنا فاكر نفسي كنت ضحېة اللي حصل.
بس اكتشفت إن فيه ناس اتظلمت أكتر مني.
بصيت له وسكت.
فكمل
أنا على الأقل كنت عايش مرتاح.
لكن أولادك كانوا بيدفعوا تمن أخطاء ناس تانية.
الكلام طلع من قلبه.
وأول مرة أحس إنه شايل ذنب حقيقي.
مش لأنه غلط.
لكن لأنه فهم الصورة كاملة.
أما نجلاء…
فكانت أكتر واحدة اتغيرت.
مش بالكلام.
بالأفعال.
بدأت تتعامل مع أولادي بشكل مختلف.
تسأل عليهم.
تهتم بيهم.
وتشاركهم تفاصيل يومهم.
في الأول كانوا متحفظين.
وده طبيعي.
سنين من المعاملة الصعبة مش هتختفي في يوم.
لكن مع الوقت…
بدأ الجليد يدوب.
وبعد شهور.
رجع جزء كبير من الأموال للعيلة بعد تسويات قانونية طويلة.
مش كلها.
لكن جزء محترم.
والأهم من الفلوس…
إن الحقيقة رجعت.
وكل واحد عرف حقه.
وفي يوم من الأيام…
كنت قاعدة في البلكونة.
وشايفة الأولاد تحت.
أحمد.
وأخته.
وأخوهم الصغير.
وكريم.
بيضحكوا مع بعض.
بيجروا وبيهزروا.
من غير فرق.
من غير غيرة.
من غير مقارنة.
فافتكرت كل السنين اللي فاتت.
وكل الجمل اللي كنت بسمعها.
حرام الدلع ده.
إنتِ هتبوظي العيال.
إحنا اتربينا من غير الحاجات دي.
واكتشفت حاجة مهمة.
المشكلة عمرها ما كانت في لعبة.
ولا هدوم.
ولا موبايل.
المشكلة كانت في العدل.
لأن الطفل لما يحس بالعدل…
بيكبر سليم.
لكن لما يحس إن قيمته أقل من غيره…
الچرح بيفضل جواه سنين.
بعدها بأيام.
كان عندنا عزومة عائلية صغيرة.
وأثناء الأكل…
ضحك كريم وقال
فاكرين أول مرة اتخانقت عشان لابتوب جديد؟
الكل ضحك.
حتى نجلاء نفسها.
فكمل
دلوقتي عرفت إن أغلى حاجة خدتها في حياتي…
وبص حوالينا.
…مش العربية.
…ولا الموبايلات.
…ولا أي حاجة اشتريتها.
وسكت لحظة.
ثم ابتسم.
وقال
أغلى حاجة إني بقيت عندي إخوات بجد.
ساعتها بصيت لأولادي.
ولقيت الفرحة في عيونهم.
وعرفت إن النهاية الحقيقية للقصة…
ما كانتش يوم انكشف السر.
كانت يوم اختفى الفرق بين الأولاد.
ويوم فهم الجميع أن المحبة والعدل أهم من أي مال.
تمت القصة.

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *