سر اوضة الفندق

على الرمال الساخنة باتجاههما، كان صوت ضربات قلبي يطغى على صوت أمواج البحر المتلاطمة. كل خطوة كانت تقربني من مواجهة الشخص الذي ظننتُه شريك العمر وحامي الحمى، فإذ به يظهر كالثعلب الذي يتربص بعائلتي في أضعف لحظاتها. التفتت إليّ ابنتي الصغيرة ببراءتها وسألتني ماما، أنتِ زعلانة؟ فمسحتُ على رأسها بلطف وقلت لها لا يا قلب ماما، اطلعي فوراً على الغرفة والعبِي بلعبك، ولا تخرجي منها حتى آتيكِ. ركضت الصغيرة نحو مبنى الفندق، وحينها فقط استجمعتُ كل قوتي، ونفضتُ عن وجهي أثار الصدمة والدموع، واستبدلتُها بملامح جامدة كالجليد.
عندما اقتربتُ منهما، لاحظتُ الاضطراب الذي حلّ بوجه أخي الأصغر؛ كان يتجنب النظر في عيني، ووجهه شاحب كأنه جسد بلا روح، بينما كان زوجي يحافظ على تلك الابتسامة الهادئة والمطمئنة التي طالما خدعتني لسنوات. قال زوجي بنبرة ناعمة تأخرتِ يا حبيبتي، كنا نناقش أنا وأخوكِ بعض الأمور العملية بخصوص عمله الجديد. نظرتُ إليه ببرود لم يعهده مني، وقلت وعيني مثبتة في عينيه نعم، أعلم.. علمتُ بكل شيء، علمتُ عن اجتماع غرفة الفندق، وعن الحقيبة السوداء، وعن الرجل الغريب، وعن الأرض التي تريد التهامها ثمنًا لسكوتك.
في تلك الثواني المعدودة، تحولت الابتسامة على وجه زوجي إلى وجوم تام، وزاغت عيناه بړعب مفاجئ قبل أن يستعيد قناعه البارد، بينما انهار أخي تماماً وجلس على ركبتيه فوق الرمال وهو يبكي ويقول سامحيني يا أختي.. أنا أخطأت في عملي القديم، وهو استغل هذا الخطأ وضغط عليّ، وأنا كنت سأوقع على التنازل الليلة لكي لا أدخل السچن وأفضح العائلة. رفعتُ أخي بيدي وقلت له بصوت حاسم ارفع رأسك.. الخطأ يُعالج، لكن الخېانة لا تُغتفر. لن توقع على شبر واحد من أرض أبينا، ولن ينال هذا الخائڼ مبتغاه.
التفتُّ إلى زوجي الذي بدأ يحاول استخدام أسلوبه المعتاد في الترهيب والالتفاف، واقترب مني وهمس بغل إذا لم يوقع أخوكِ الليلة، فإن الشرطة ستكون في انتظاره عند بوابة الفندق غداً صباحاً، والشركة لن تتنازل عن حقوقها، وستكون الڤضيحة باسم عائلتكِ أنتِ.. فكري في ابنتك وفي سمعتكم قبل أن تتذاكي.
لكنه لم يكن يعلم أنني في تلك الدقائق القليلة التي تفصل بين كلام ابنتي ووصولي إليه، كنت قد اتخذتُ قراري وحسمتُ أمري. أخرجتُ هاتفي من حقيبتي ونظرتُ إليه قائلة أنت من عليه أن يفكر في السچن يا عزيزي. الرجل الغريب الذي أحضرتَه لغرفة الفندق ليس مسؤولاً في الشركة، بل هو سمسار ومبتز يتعامل معك، وأنا قمتُ للتو بإرسال رسالة إلى المحامي الخاص بعائلتنا، ومرفق بها تفاصيل الټهديد، كما أنني اتصلتُ بالمدير التنفيذي الفعلي لشركة أخي القديمةوالذي تجمعنا به معرفة عائلية قديمةوأخبرتُه أننا مستعدون لرد المبالغ كاملة وجدولة الحسابات ودياً غداً بالأوراق الرسمية دون حاجة لوسطاء أو
لصوص.
سقطت الأوراق التي كان يحملها زوجي في جيبه الافتراضي، وتغيرت ملامحه بالكامل من الجبروت إلى الذعر؛ لقد أدرك أن اللعبة التي خطط لها لشهور، واستغل فيها رحلة عائلية ليموه خسته، قد تحطمت تماماً على صخرة براءة طفلة وفطنة أم رفضت أن تُسلب كرامتها وعائلتها. حاول أن يمسك يدي ويعتذر ويدعي أنه كان يفعل ذلك لتأمين مستقبلنا، فدفعته عني بكل ما أوتيت من قوة وقلت له انتهت المسرحية.
الخاتمة
عدنا إلى العاصمة في نفس تلك الليلة، ولم ننتظر بزوغ الفجر في ذلك الفندق المشؤوم. أغلقتُ كل أبواب العودة في وجهه، ووقفتُ مع أخي خطوة بخطوة حتى قمنا بتسوية أموره المالية والقانونية بشكل رسمي وقانوني تماماً مع شركته، وخرج منها تائباً ودرساً لن ينساه طوال حياته، وحافظنا على إرث أبينا كاملاً غير منقوص.
أما عن زوجي، فقد رفعتُ دعوى طلاق فورية، واسترددتُ حريتي وحياتي التي كادت أن تضيع في دهاليز جشعه. إن هذه الأزمة لم تكن مجرد نهاية لزواج فاشل مبني على المكر، بل كانت ولادة جديدة لي ولأخي؛ تعلمنا منها أن جدار العائلة الحقيقي لا يُبنى على الثقة العمياء، بل على اليقظة والشجاعة في مواجهة أقرب الناس إذا تطلب الأمر.
جلستُ بعد أشهر في شرفة منزلي، وأنا أضم ابنتي الشجاعة إلى صدري، وأستمع إلى ضحكات أخي وهو يبدأ حياته من جديد بنقاء، وتأكدتُ تماماً أن الحق قد يعبر مخاضاً عسيراً من القهر والظلم، وتدابير البشر قد تبدو محكمة كالفخاخ القاټلة، ولكن عدالة الله تظهر دائماً من حيث لا نحتسب، لتظل الكرامة هي الإرث الحقيقي الذي لا يمكن لأي خائڼ أن يسلبه منا، ولتكون هذه النهاية هي البداية الحقيقية لعمري الذي استعدته بالكامل.

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *