قصت شعر الخادمة-حكايات محمد نور
>
ثم انسحبت بهدوء قبل أن تقرأ في عينيه المزيد.
في تلك الليلة، توجه سلطان إلى المشاتل الخلفية يبحث عن “عم صالح” البستاني:
— قل لي الحقيقة يا صالح، ماذا حدث؟
وضع العجوز مقص التقليم جانباً وتنهد:
— الآنسة رنا قصت ضفيرة مريم أمام أعين الجميع لإهانتها.
لم يتحرك سلطان من مكانه، لكن ملامحه تجمدت:
— ولماذا لم يوقفها أحد؟
— لأننا جميعاً خفنا منك، على الرغم من أنك لم تكن هنا.
وقعت هذه الجملة على سلطان كالصاعقة؛ لقد استُخدم اسمه وسطوته كتهديد لإذلال المرأة التي كانت تحمي بيته.
تابع عم صالح:
— مريم لم تنتقم يا سيدي. هي فقط توقفت عن منحنا عملاً تطوعياً يعادل مجهود عشرة أشخاص.
طلب سلطان على الفور تسجيلات كاميرات المراقبة للبهو الرئيسي. كانت رنا قد أمرت بحذف ذلك المقطع، لكن نظام النسخ الاحتياطي التلقائي احتفظ بنسخة.
جلس سلطان يراقب الشاشة: رأى رنا وهي تمسك بالضفيرة بغلّ، وسمع السخرية، وشاهد مريم وهي تقص ما تبقى من شعرها دون أن تذرف دمعة واحدة. وفي التسجيل، ظهر الموظفون شاخصين بلا حراك؛ بعضهم يقبض على يديه غضباً، وبعضهم يبكي في صمت.
أدرك سلطان حينها أن معاقبة رنا لم تعد كافية، بل عليه أن يصلح بيئة جعلت الجميع يخشون خسارة رزقهم إن هم دافعوا عن الحق. ولأول مرة في حياته، شعر بالخجل من القوة والنفوذ اللذين بناهما.
في الصباح التالي، دخلت رنا المكتب لتجد اثنين من المحامين يراجعون عقود الشراكة والاتفاقيات.
سألت بدهشة:
— سلطان، ما الذي تفعله؟
— أصلح خطأً فادحاً.
حاولت الاقتراب منه قائلة:
— هل أنت غاضب بسبب ما حدث؟ لقد كانت مجرد دعابة، وتلك الخادمة تبالغ كثيراً.
— لم تكن دعابة. لقد استغللتِ اسمي لتدمير كرامة إنسانة لا تملك سلطة للدفاع عن نفسها.
تغيرت نبرة رنا إلى التعالي:
— عائلتي السياسية هي من تحمي علاقاتك ونفوذك. لا يمكنك إهانتي من أجل خادمة!
— لن أهينكِ يا رنا. بل سأترك الجميع يرون حقيقتكِ فقط.
أمر سلطان بإقامة مأدبة العشاء السنوية للموظفين في نفس تلك الليلة. ظنت رنا أنها مناسبة لإعلان موعد زفافهما، لكنها عندما دخلت القاعة، تفاجأت بأن مقعدها لم يعد بجانب سلطان؛ بل كان هناك مقعد شرفي آخر وُضع في الصدارة وظل فارغاً في انتظار صاحبه.
## الجزء الثالث: ثمن الكرامة
أخذ الستة وسبعون موظفاً أماكنهم على الطاولات تحت أضواء الثريات المتلألئة. كانت رنا تبتسم بتصلب، متألقة بفستانها الزمردي، وهي تنتظر أن يصحح سلطان ما اعتبرته “سوء تفاهم”.