حماتي حلقت شعر بنتي

في ناس بتعرف إنها بريئة، لكن مش كل الناس فرحانة إن الحقيقة ظهرت.
بصيت للحاج محمود باستغراب.
قلت
مين اللي ممكن يبعت كلام زي ده؟
رد بهدوء
معرفش… لكن من النهارده، أي غريب يسأل عن ليان، لازم نعرف هو مين وليه بيسأل.
وفي اللحظة دي، رن جرس الباب مرة تانية.
بصينا ناحية الباب.
ولما فتح الحاج محمود…
لقينا نفس الراجل الكبير واقف، لكن المرة دي كان ماسك ملف قديم، وقال بهدوء
أنا جيت أصلح غلطة كان المفروض تتصلح من سنين الحاج محمود وقف قدام الباب وقال بحذر
حضرتك مين؟
الراجل رفع الملف اللي في إيده وقال
اسمي عم عادل… ومش جاي أعمل مشكلة. أنا جاي أسلم حاجة كانت لازم توصل من زمان.
بصيتله باستغراب، وقلت
إيه اللي في الملف؟
رد
صور وأوراق قديمة… مالهاش علاقة بليان، لكنها لها علاقة باللي حصل.
دخلناه الصالة.
فتح الملف على الترابيزة.
طلع منه مجموعة صور قديمة وإيصالات.
وقال
من سنين، الحاجة فاطمة كانت كل ما تبعت أي قطعة دهب للصاغة، كانت تحتفظ بصورة وإيصال. ولما سمعت اللي حصل للبنت، افتكرت إن عندي نسخة من بعض الأوراق.
بدأ يقلب في الملف.
وفجأة وقف عند صورة.
قال
بصوا هنا.
بصينا كلنا.
الصورة كانت للإسورة قبل إصلاحها، وقفلها كان مكسور بوضوح.
وبجانبها إيصال بتاريخ سابق على يوم المشكلة بأسبوع.
يعني الإسورة كانت بالفعل عند الصاغة قبل كل اللي حصل.
عم عادل قال بهدوء
أنا جيت علشان ضميري يرتاح. البنت دي اتظلمت، ودي آخر حاجة عندي تثبت إنها كانت بريئة من البداية.
الحاج محمود أخد الأوراق، وقال
شكراً… الدليل ده هيقفل أي كلام للأبد.
ابتسم عم عادل وهو بيقوم يمشي.
وقبل ما يخرج، بص على ليان وقال بابتسامة
خليكي دايمًا قوية يا بطلة.
ليان ابتسمت ابتسامة صغيرة لأول مرة لحد غريب.
ولما قفل الباب، حسيت إن آخر صفحة في الحكاية اتقفلت أخيرًا، وإن اسم بنتي اتنضف قدام الجميع، ومبقاش فيه أي شك في براءتها. تمت في الحقيقة، القصة وصلت لنهاية منطقية بالفعل، والاستمرار بنفس الأحداث هيخليها متكررة أو غير واقعية.
إذا كنت عايزها كسلسلة، فده أنسب استمرار
بعد مرور سنة كاملة…
كبر شعر ليان، ورجعت ضحكتها تملأ البيت من تاني.
افتكرت إن الصفحة دي اتقفلت للأبد.
لكن في يوم، وأنا برتب دولاب قديم كان بتاع حماتي، لقيت صندوق خشب صغير مخبي ورا درج مكسور.
فتحته.
كان فيه مذكرات قديمة بخط إيد الحاجة فاطمة.
أول صفحة كانت مكتوب فيها
لو حد قرأ الدفتر ده يومًا… يبقى لازم يعرف إن أكبر غلطة عملتها في حياتي ما كانتش الإسورة.
قلبي دق بسرعة.
قلبت الصفحة اللي بعدها.
لقيت جملة أغرب
في سر في العيلة محدش يعرفه… ولو اتكشف، حياتنا كلنا هتتغير.
في اللحظة دي، دخل الحاج محمود وشاف الدفتر في إيدي.
اتغير لون وشه، وقال بسرعة
اقفلي الدفتر… مش وقته.
بصيت له باستغراب.
قلت
إيه السر اللي مكتوب هنا؟
سكت ثواني…
وبعدين قال
سر عمره أكتر من عشرين سنة… ولو عرفتيه، هتفهمي إن اللي حصل مع ليان كان مجرد بداية فتحت الدفتر قبل ما الحاج محمود يقدر ياخده من إيدي.
كانت أول صفحة كلها مشطوبة، كأن صاحبتها حاولت تمحي الكلام.
أما الصفحة اللي بعدها، فكان مكتوب فيها
من يقرأ هذه الصفحات، لا يحكم على أحد قبل أن يعرف الحقيقة كاملة.
بصيت للحاج محمود وقلت
أنا لازم أفهم.
تنهد وقعد على الكرسي.
قال بهدوء
الحاجة فاطمة كانت بتكتب كل حاجة تحصل في البيت. أي مشكلة، أي خلاف، أي قرار… كله في الدفتر.
بدأت أقلب الصفحات.
لقيت مواعيد، ومصاريف، ومواقف قديمة.
لحد ما وصلت لصفحة عليها تاريخ قبل حادثة الإسورة بأيام.
كان مكتوب
الإسورة قفلها باظ. بعتها للصاغة مع رانيا علشان تتصلح، ولازم أفتكر إنها مش في البيت.
سكت.
بعدين قلبت الصفحة اللي بعدها.
كان مكتوب بخط مختلف وكأنها كتبته وهي متوترة
نسيت إنها عند الصاغة… ولما ملقتهاش، اتصرفت بغضب. يا رب أكون لسه أقدر أصلح اللي عملته.
قفلت الدفتر ببطء.
الحاج محمود قال
هي كتبت ده بعد اللي حصل، لكنها عمرها ما كان عندها شجاعة تقوله لحد.
في اللحظة دي، خرجت الحاجة فاطمة من أوضتها.
بصت للدفتر في إيدي، وعرفت إنه اتقري.
قربت بخطوات بطيئة وقالت
أنا مستعدة أتحمل أي نتيجة… لكن نفسي ليان تعرف إني غلطت في حقها.
رفعت ليان عينيها ناحيتها، وساد صمت طويل في البيت… دون أن يعرف أحد هل ستسامحها يومًا أم لا مرت أيام من غير ما حد يفتح الموضوع تاني.
الحاجة فاطمة كانت كل يوم تسيب لعبة جديدة أو شيكولاتة قدام باب أوضتنا، وتمشي من غير ما تخبط.
وليان كانت كل مرة تبص للحاجة اللي قدام الباب، لكن ما تلمسهاش.
في يوم، وأنا برتب لعبها، قالتلي بصوت هادي
ماما… هي الست دي لسه زعلانة؟
قلت يمكن زعلانة من نفسها.
سكتت شوية، وبعدين قالت
هي اللي حلقتلي شعري؟
السؤال كان صعب.
ما حبيتش أكدب عليها، ولا أزرع في قلبها كراهية.
قلت بهدوء
هي غلطت غلطة كبيرة، وكل واحد بيغلط لازم يتحمل نتيجة غلطه.
ليان هزت راسها ورجعت تلعب.
وفي نفس الليلة، سمعنا خبط على الباب.
كان الحاج محمود.
قال الحاجة فاطمة تعبانة، وطلبت تشوف ليان… ولو لدقيقة.
بصيت لبنتي.
قلت القرار قرارك.
ليان فضلت ساكتة، وبعد تفكير طويل، قالت
هشوفها… بس إنتِ تيجي معايا.
دخلنا الأوضة.
الحاجة فاطمة كانت قاعدة على السرير، أول ما شافت ليان دموعها نزلت.
قالت بصوت مكسور
أنا ظلمتك يا بنتي.
ليان ما ردتش.
فضلت باصة لها.
بعد ثواني، طلعت الحاجة فاطمة من تحت المخدة علبة صغيرة.
فتحتها.
كان فيها توكة شعر على شكل فراشة.
قالت
اشتريتها يوم ما شعرك يطول تاني… وكنت مستنية اليوم ده.
ليان أخدت التوكة، بصتلها شوية، وقالت بصوت بريء
بس متحلقيش شعري تاني.
في اللحظة دي، الحاجة فاطمة انهارت من البكاء، لأنها عرفت إن الجملة البسيطة دي هتفضل تفضل تلاحقها طول عمرها بعد الموقف ده، مفيش حاجة رجعت زي الأول.
لكن بقى في هدوء.
الحاجة فاطمة بطلت تتدخل في أي قرار يخص ليان، ولو كانت عايزة تجيب لها هدية أو تكلمها، كانت تستأذن الأول.
ومع الوقت، ليان بقت ترد عليها بكلمة أو اتنين، لكن لسه كانت محتفظة بمسافتها.
في يوم عيد ميلاد ليان الرابع، عملنا احتفال صغير في البيت.
كانت فرحانة بالتورتة والبلالين، وبتجري من هنا لهنا وهي تضحك.
وقبل ما نقطع التورتة، قربت الحاجة فاطمة وهي ماسكة علبة هدايا صغيرة.
بصتلي الأول، وكأنها بتستأذن.
هزيت راسي بالموافقة.
قعدت قدام ليان وقالت
دي هدية بسيطة… ولو مش عايزة تاخديها، أنا هتفهم.
ليان فتحت العلبة.
كان جواها فرشاة شعر صغيرة، ومعاها مجموعة توك ملونة.
ابتسمت ليان وقالت
حلوين.
كانت أول مرة تبتسم للحاجة فاطمة من يوم اللي حصل.
الحاجة فاطمة ابتسمت هي كمان، لكن ملامحها كان فيها وجع واضح.
لأنها كانت عارفة إن بعض الجروح بتخف… لكنها ما بتختفيش.
وفي آخر اليوم، وأنا بحط ليان تنام، سألتني
ماما… شعري بقى طويل تاني، صح؟
ابتسمت وأنا بعدل الغطا عليها.
وقلت
أيوه يا حبيبتي… وأجمل من الأول كمان.
غمضت عينيها وهي مبتسمة.
وقتها حسيت إن أصعب فصل في حياتنا انتهى أخيرًا، وإن اللي فضل معانا مش الخوف… لكن الدرس إن العدل لازم ييجي قبل أي اتهام، وإن الطفل يستحق الحماية قبل العقاب. تمت.

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *