انتقام زوجة – محمد نور
انتقام زوجة – محمد نور
مع درجة حرارة بلغت أربعين مئوية، صبّ زوجي الماء المثلج عليّ وأمرني: “كفي عن الادعاء.. ونظفي البيت”. ثم أخذ والديه وسافر إلى شرم الشيخ…
كان أول ما سمعته “دنيا” حين ارتطم الماء المثلج بوجهها، هو ضحكات والدة زوجها.
لم تكن شهقة ذهول.
ولا سؤالاً عما إذا كانت لا تزال على قيد الحياة.
بل كانت ضحكة ساخرة.
تناثرت مكعبات الثلج على وجنتيها، وتشتتت على الأرضية الخشبية لتختفي تحت الأريكة السكرية التي دُفِعَ ثمنها من مالها الخاص. أخذ الماء الثالج طريقه إلى عينيها، ومنهما إلى ياقة المئزر المتسخ الذي كانت ترتديه منذ الساعة السادسة صباحاً.
كانت دنيا مستلقية، ملتفة على نفسها فوق أرضية الصالة في شقتها الفاخرة بحي “الزمالك”، تصارع لاستنشاق الهواء في رئتين شعرَت وكأن الملح والزجاج المكسور يملأهما.
كان مقياس الحرارة الرقمي ملقى بالقرب من يدها.
كانت القراءة: 40.2 درجة مئوية.
وقف زوجها “طارق” فوق رأسها ممسكاً بالكأس الفارغ.
قال لها بنبرة حادة: “أنتِ تحرجين نفسكِ وتحرجينني.. والداي يقفان هنا!”.
حاولت دنيا الرد، لكن سعلة عنيفة تمزقت في صدرها، أتبعتها حشرجة معدنية جافة. وضعت كفها على الأرض محاولة رفع جسدها، لكن ذراعها انهارت تحتها.
تنهد طارق بضجر وكأنها أسالت العصير على سجاد باهظ الثمن.
التفت إلى والديه وقال: “هي هكذا طوال اليوم، كلما أرادت التهرب من إتمام عمل ما، تظاهرت فجأة بأنها تحتضر”.
كانت دنيا قد طبخت لإحدى عشر شخصاً منذ الشروق.
طهت وليدتين من الديك الرومي لأن والدة طارق أصرت على أن واحدة فقط ستجعله يبدو “بخيراً”. أعدت أصناف المأكولات، والأنواع المتعددة من السلاطات، والمقبلات التي لم يمسسها أحد. احترق ظهر يدها وهي تسحب إحدى الصواني من الفرن، بينما كان طارق يشاهد مباراة القدم مع أقاربه.
والآن، رحل الضيوف.
والأطباق تراكمت في المطبخ.
ودنيا تكاد لا تتنفس.
كانت حمتها “فريدة” تقف بالقرب من طاولة الطعام ترتدي معطفها الجملي الجديد، وتعبئ ما تبقى من الطعام في علب بلاستيكية كانت دنيا قد اشترتها بمالها.
نظرت فريدة إلى الماء المتمدد على الخشب وزمّت شفتيها باستياء: “هذا الخشب سيبقع ويتلف”.
حدقت فيها دنيا بذهول.
لقد شاهدت فريدة ابنها يسكب الماء المثلج على كنزتها التي تحترق بالحمي، ولم يكن كل ما يعنيها سوى الأرضية!