حمايا ١ _ منى السيد
لمحة نيوز
على فريسة. حسيت إن الكلام معاهم دلوقتي هيضيعني، لو صوتي علي زيادة حمايا ممكن يمد إيده، وساعتها مفيش حد هينجدني، العمارة كلها بتاعتهم، ومحدش غريب ساكن معانا.
لفيت ضهري، ورجعت أطلع السلم ودموعي نازلة زي الشلال بدون صوت. كل خطوة كانت كأنها جبل فوق ضهري. طلعت الدور التالت، دخلت الشقة، وقفلت الباب بالترباس، وسندت ضهري على الخشب واتزحلقت على الأرض وقعدت أعيط بحرقة.
الشقة كانت كتمة، ريحة العرق مع كتمة الجدران مع ضلمة عمياء مفيهاش غير نور شاشة الموبايل اللي كان قرب يفصل شحن.. بطاريته كانت ١٨٪. صوت عياط كرمة بنتي فوقني. البنت كانت بتشهق من كتر البكاء، وشها كان دافي وجسمها ملزق من الحر، ويونس نايم على الأرض في الصالة هربان من سخونة السرير، بيتقلب ويفرك في وشه وهو نايم.
قومت زي المجنونة، دورت على إزازة المية المعدنية اللي كنت مخبياها في التلاجة، لقيتها سخنت وبقت دافية. بليت طرف فوطة ومسحت وش كرمة وجسمها، رضعتها وأنا بهزها ورجلي بتترعش. عقلي مكنش مبطل تفكير.. إيه موضوع التسجيل ده؟ وتسجيل لإيه بالظبط؟
أنا طول عمري في حالي، من يوم ما طارق سافر السعودية قبل سنة ونص وأنا علاقتي بالدنيا اتقطعت. يدوب بنزل يوم الجمعة الصبح بدري اشتري خضار الأسبوع وأرجع، ومبكلمش حد في الشارع غير البقال اللي على ناصية الحارة لما بطلب منه طلبات في التليفون. وحتى السطوح مبطلعوش! مين اللي بيطلع عندي؟ وإيه حكاية الخيال اللي حمايا بيتكلم عنه؟!
فجأة، افتكرت حاجة قلبي اتقبض منها. من أسبوعين، يعني بالظبط من أول ما بدأ حوار قطع النور ده.. كنت كذا مرة وأنا قاعدة في الضلمة، سامعة صوت تزييق درجات السلم الخشب اللي طالع للسطوح فوقيا. العمارة أربع ادوار، التالت بتاعي، والرابع شقة مقفولة لسه على الطوب الأحمر بتاعت أخو جوزي الصغير اللي في الجيش، وبعدها السطوح. كنت بقول لنفسي دي قطط، أو يمكن الهوا بيهز باب السطوح. بس هل يعقل إن حد كان بيطلع فوق؟ وليه شيرين تبتسم الابتسامة دي بالذات؟
مسكت الموبايل، فتحت الواتساب، ودخلت على شات طارق. آخر ظهور ليه كان من ساعتين. طارق شغال مهندس في موقع في الرياض، شغله شفتات ليلية أحيانًا، وبيبقى مضغوط ومبيحبش النكد، وعنده نقطة ضعف عمياء ناحية أبوه؛ الحاج فضل ده بالنسبة له خط أحمر، رباه لوحده بعد ما أمه ماتت وهو صغير، وطارق شايف إن أبوه ملاك مبيغلطش، وإن طاعته من طاعة ربنا، حتى لو داس على أي حد تاني.
كتبت رسالة طارق.. الحقني، أبوك وشيرين عاملين عليا مؤامرة وعايزين يخربوا بيتنا.. النور مقطوع عني بقاله أسبوعين بأمر من أبوك عشان شيرين بتشتكي من العيال، ودلوقتي بيهددني بحاجة مفيهاش ذرة شرف! صوابعي وقفت فوق زرار الإرسال. اترعبت.. لو بعت الرسالة دي وطارق اتصل بأبوه، حمايا هيقلب الترابيزة في ثانية، وهيقول له شفت مراتك بتتبلى عليا إزاي؟ وهيبعت له التسجيل أياً كان إيه هو، وطارق هناك على بعد آلاف الكيلومترات، الشك هيقتله والوسواس هيعمي عينه، وأنا هنا لوحدي، معنديش سند ولا أهل في القاهرة، أهلي كلهم في طنطا، وأمي ست مريضة سكر وقلب، لو سمعت كلمة زي دي ممكن تروح فيها.
مسحت الرسالة.. مسحتها ودموعي بتنزل على الشاشة.
قضيت الليلة دي أطول ليلة في عمري. كنت قاعدة على كرسي جنب الباب، ماسكة سكينة المطبخ الصغيرة في إيدي اليمين، والموبايل في إيدي الشمال. كل ما حركة الهوا تحرك ستارة، أو أسمع طقة في خشب الباب، قلبي يقع في رجلي. الحر كان بيخنق، بس الرعب كان مخليني متلجة، أسناني بتخبط في بعض.
مع أذان الفجر، سمعت صوت تك من تحت.. الكهربا رجعت فجأة! المروحة لفت، والتلاجة اشتغلت بصوتها المألوف، والماتور اشتغل وسمعت صوت المية وهي بتجري في المواسير. حمايا رجع الكهربا مع خروجه لصلاة الفجر في الجامع، عشان لما الناس تصحى في العمارة ميبانش إن في حاجة غير طبيعية.
جريت على المطبخ مليت الجرادل والحلل وكل إزازة فاضية، وشطفت كرمة وغيرت ليونس، ودخلت نمت جنبهم من التعب والانهيار العصبي، صحيت الساعة اتناشر الضهر على رنة التليفون.
كان طارق. أول ما شوفت اسمه، قلبي دق بعنف. بلعت ريقي وحاولت أظبط صوتي عشان ميبانش إني كنت بعيط ألو.. صباح الخير يا طارق. جه صوته من الناحية التانية، بس مكنش دافي زي العادة، كان تقيل وناشف صباح النور يا نادين.. إنتي كويسة؟ الحمد لله يا حبيبي، إنت عامل إيه؟ شغلك تمام؟ سكت ثواني.. ثواني مرت عليا زي سنين، وبعدين قال أنا كلمت الحج الصبح بعد الفجر عشان أطمن عليه.. لقيته صوته تعبان ومضايق. ريقي نشف، وقولت بحذر ماله؟ خير فيه حاجة؟ طارق اتنهد تنهيدة طويلة وقال بيقولي إنه مبقاش قادر على وجع الدماغ، وإن العيال تحت بيزنوا ويصرخوا طول الليل ومطيرين النوم من عينه، وإنك مش عارفة تسيطري عليهم.. حتى شيرين بتقوله إنها بتصحى مفزوعة من خبط الماتور ورزع البيبان فوق.
الدم غلى في عروقي، بس تماسكت وقولت يا طارق، العيال صغيرين وإنت عارف كرمة بتسنن، وبعدين الماتور صوته عادي، شيرين هي اللي بتتحجج عشان هي بتكرهني من يوم ما اتجوزنا، وإنت عارف كده كويس! رد عليا بصوت علي فجأة وبان فيه العصبية نادين! متدخليش شيرين في جملة مفيدة، أنا بتكلم عن أبويا! الراجل راجل كبير وصحته متستحملش السهر والدوشة! إنتي ليه مبتعرفيش تلمي العيال وتنامي بيهم بدري زي بقية خلق الله؟ بتفضلي صاحية طول الليل ليه أصلاً؟ إنتي قاعدة لوحدك في الدور التالت، المفروض من المغرب تكوني قافلة بابك ونايمة عشان متحطيش نفسك في شبهات وتوجعي دماغ أبويا!
الكلمة وجعتني في مقتل.. متحطيش نفسك في شبهات؟! شبهات إيه يا طارق؟! هو أبوك قالك حاجة تانية؟! سألته وأنا حاسة إن الهوا بيتسحب مني. طارق تردد، وقال بنبرة مريبة مقالش حاجة واضحة.. بس قالي كلمه فهمت منها إن تصرفاتك مبقتش مريحة، وإن البيت له حرمته وسيرته اللي مبيرضاش حد يمسها. قالي خليها تفضل في شقتها ومتقعدش تتحرك كتير في العمارة، ولما سألته قصده إيه، قالي اسألها هي.. ها يا نادين؟ قصد أبويا إيه بالكلام ده؟ فيه حاجة إنتي مخبياها عليا؟
مسكت أعصابي بالعافية، الدموع كانت هتنزل بس كتمتها أبوك مبيقولش حاجة واضحة يا طارق عشان هو ملوش حق في أي حاجة بيعملها! وعشان تعرف ابن مين البار، أبوك بيقطع عني وعن ولادك الكهربا كل يوم من بعد العشا لحد الفجر! أيوة، بينزل المفتاح من اللوحة العمومية عشان يعاقبني ويحبسني في الضلمة أنا وولادك في عز الحر والمية مقطوعة! هو قالك دي في المكالمة ولا نسي يقولها؟!
الخط سكت تماماً. طارق فضل ساكت بتاع نص دقيقة، وبعدين ضحك ضحكة قصيرة من غير نفس، وقال إنتي اتجننتي يا نادين؟ أبويا؟ الحاج فضل اللي بيصلي الفرض بفرضه وعمره ما داس على طرف حد هيقطع عنك الكهربا بالنهار والليل؟! انتي بتألفي كلام عشان تطلعي نفسك مظلومة؟ هو قالي إن