وجدوها مصابة بجانب النهر

ساد صمت ثقيل داخل البيت، كأن الهواء نفسه توقف عن الحركة.

كان محمود ما يزال ممسكًا بالظرف، وعيناه تنتقلان بين الورقة وبين الفتاة التي أصبحت تُدعى “نور”. لكن الاسم الحقيقي المكتوب في الورقة كان كفيلًا بأن يغير كل شيء.

“سلمى جلال… الوريثة الوحيدة لعائلة جلال التجارية.”

تراجعت ليلى خطوة للخلف وهي تضع يدها على فمها.

“يا رب… دي بنت عيلة جلال اللي في القاهرة؟”

ارتجفت نور، أو سلمى، أكثر. يداها ارتفعتا إلى رأسها كأن الاسم ضــ,,ـــــربها من الداخل لا من الخارج. بدأت أنفاسها تتسارع، وظهر الذعر في عينيها لأول مرة منذ أن وجدها محمود عند النهر.

“لا… أنا مش… أنا مش فاكرة…” تمتمت بصوت مكسور.

اقترب محمود ببطء، لكن قبل أن يتكلم، قال الرجل الغريب بهدوء محسوب:

“هذه الفتاة اختفت منذ ثلاثة أسابيع. وهناك مكافأة كبيرة لمن يعيدها.”

لم تكن الجملة تهديدًا مباشرًا، لكنها سقطت على البيت كحجر ثقيل.

ليلى أمسكت بذراع أخيها.

“إحنا مالناش دعوة بالمكافأة. البنت دي كانت بتمــ,,ـــــوت في النهر.”

ابتسم الرجل ابتسامة قصيرة لا تصل إلى عينيه.

“أنا لا أتهمكم. أنا فقط أبلغكم أن عائلتها ستأتي الليلة.”

وهنا تغير الجو بالكامل.

نور تراجعت للخلف أكثر، وكأن الجدران تضيق عليها. نظرت إلى محمود برجاء صامت، كأنها تقول: لا تسلمني.

محمود لم يرد فورًا. كان بين شيء يعرفه كإنسان فقير يعيش على كرامته… وشيء آخر بدأ يشعر به كحقيقة لا يمكن تجاهلها: هذه الفتاة ليست عابرة.

بعد دقائق، غادر الرجل الغريب، تاركًا وراءه صمتًا أخطر من حضوره.

جلست ليلى على الكرسي الخشبي، تمسك رأسها.

“لو عيلتها جت، الدنيا هتقلب علينا. دول ناس كبار… مش زيينا.”

لكن محمود كان ينظر إلى نور فقط.

كانت جالسة في الزاوية، تضم ركبتيها إلى صدرها، وتبكي بصمت. ليس لأنها عرفت من هي… بل لأنها شعرت أن المكان الوحيد الذي شعرت فيه بالأمان بدأ يبتعد عنها.

“أنا مش عايزة أروح”، قالت فجأة بصوت خافت. “أنا هنا… أنا مش فاكرة هناك أي حاجة… لكن هنا أنا… أنا بتنفس.”

صمت محمود.

في تلك اللحظة، لم يرِ “وريثة مفقودة”… بل رأى فتاة أخرجها من المــ,,ـــــوت مرتين: مرة من النهر، ومرة من النسيان.

لكن الباب الخارجي قُطع فجأة بصوت طرق قوي.

طرق لم يكن عاديًا… بل طرق سيارات فخمة في الخارج، وأقدام رجال لا ينتمون لهذا المكان.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *