بنات المليونير- محمد نور

 

## **الجزء الأول: صمت العرائس**

— «انزعي هذا المريول واخرجي من بيتي فوراً! ولا تقتربي من بناتي مجدداً!»

دَوّى صوت **سليمان القاسم** في أرجاء المطبخ الواسع بفيلاّته الفارهة. وفي تلك اللحظة، توقفت الصغيرات الثلاث ذات الأعوام الستة عن الضحك في وقت واحد.

أنزلت **دانة** الصغيرة **رغد** عن كتفيها بحذر شديد، بينما وقفت **رنيم** و**وتين** بجانب الطاولة، وتجمّد في أيديهن الملاعق الخشبية التي كنّ يستخدمْنها كـ “ميكروفونات”، واختفت الابتسامة ليحل محلها الخوف الذعِر.

كان سليمان قد عاد قبل موعده بيومين من رحلة عمل. وهو صاحب شركة مقاولات كبرى تبني الفنادق والمجمعات السكنية في أرجاء البلاد، رجلٌ يستطيع حلّ أعقد الأزمات المالية وتوقيع العقود المليونية باتصال واحد. ولكن، منذ وفاة زوجته **مريم**، لم يكن يعرف كيف ينظر في أعين بناته التوأم دون أن يشعر بأنه يغرق.

رحلت مريم قبل أربعة عشر شهراً في حادث سير أليم على الطريق السريع، وكان سليمان وقتها في مسقط يُنهي صفقة تجارية. وعندما وصل إلى المستشفى، كان الأجل قد نفد.

بعد العزاء، أطبقت الصغيرات الثلاث على صمتهن؛ **رنيم**، الأكثر فضولاً، كفّت عن السؤال عن أي شيء، و**وتين** توقفت عن الغناء، بينما تركت **رغد** القصص التي كانت تؤلفها قبل النوم.

استأجر سليمان أطباء أطفال، وأخصائيين نفسيين، واستشار أعصاب. اشترى لهنّ جروًا صغيرًا، وبنى بيت عرائس ضخماً في الحديقة، وأخذهنّ إلى الشاطئ مرتين… لكن شيئاً لم يتغير.

فما كان منه إلا أن هرب إلى العمل.

أتت **دانة** قبل سبعة أسابيع لتمريضهنّ ومساعدة أم صابر (تدبير المنزل). كانت شابة في التاسعة والعشرين من عمرها، تدرس التربية وعلم النفس في أيام عطلتها. لم تجبر الصغيرات قط على الكلام، بل كانت تنظف القريبة منهن، وتدندن بألحان طفولية هادئة، وتترك الأوراق وأقلام التلوين والشمع على الطاولة.

أولاً، ظهرت رسمة… ثم همسة… ثم كلمة… وفي الأسبوع السادس، عادت الصغيرات للضحك مجدداً.

لم يعلم سليمان بذلك لأنه لم يكن يتواجد في البيت تقريباً.

في تلك الأمسية، دخل المنزل وفوجئ بهنّ يغنين بصوت عالٍ مع دانة. للوهلة الأولى شعر بالارتياح، لكن عندما رأى “رغد” تعانق دانة بدفء، اعتصر قلبه شعورٌ مظلم.

1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *